“أدب النفوس” للحكيم الترمذي..الإيمان الكامل

“أدب النفوس” للحكيم الترمذي..الإيمان الكامل

للمسلم سبيل في هذه الحياة، ودرب يسير فيه، مقتديا بنبيه الكريم وصحبه رضوان الله عليهم،

وقد أبان النبي وسيرته وفعل صحابته السبيل إلى الله تعالي، وأوضحوه.

لكن كان للسلف الصالح شروحات وتوضيحات لابد من الوقوف معها، لعظيم الفائدة التي بها.

وأحد أهم الشروحات لسبيل المسلمين وطريقة عيشهم في الحياة، هو كتاب: “أدب النفوس” للحكيم الترمذي رحه الله تعالي، (المتوفى: نحو 320هـ).

 والذي أوضح فيه سبيل المؤمنين وكيفية رياضة النفس وصفة القلب واليقين وامجهادة والهوي وكيفية عمله.

قال الشيخ الإمام العارف، أبو عبد الله أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي، رحمه الله تعالى:في كتابه الماتع “أدب النفوس”.

سبب الخلق:

خلق الله الخلق لإظهار ربوبيته، وإبراز قدرته، وتدابير حكمته، وليكون ذكره ومدحه مرددا على القلوب، وعلى ألسنة الخلق والخليقة.

فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). فقال أهل اللغة: إلا ليوحدون، ومثل ذلك قوله تعالى: (إياك نعبد) يعني نوحد.

 لأن في توحيدهم إياه بأن لا إله إلا هو، إقرار له بالملك والقدرة، فهذه الكلمة تنتظم المدح.

وجرت الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بتفصيل الذكر على سائر الطاعات، لأن في الذكر مدحه

أهمية العقيدة:

وقد حث الله تعالي عباده على مدحه وذكره بالجميل والثناء الحسن: (وما أرسلناك من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) أي وحدون.

 لأنك لا تكون له عبداً حتى يكون لك رباً لا شريك له، فالله تعالى دعاهم إلى أن يوحدوه قلباً وقولاً وفعلاً.

 فمن قبل ذلك منه جملة، فاستقرت المعرفة بأنه واحد، فاطمأن به قلبه.

 وترجم به لسانه عما في ضميره، وعزم على الفعل مائلاً له، فقد آمن به.

الإنسان ومكوناته في نظر الثقافة الإسلامية:

وقد ركب الله في الإنسان الشهوات والهوى، وجعل للشياطين فيهم وساوس يجرون فيه مجرى الدم.

 وجعل القلب ملكاً على الجوارح، فالشهوة تحرك البدن الساكن، وتزعج القلب، والشيطان يمنيه له ويعده، والهوى يميل به ويقوده.

فيميل قلب المؤمن المطمئن بالإيمان، ولكن تزيين العدو، وميل الهوى يجعله يفعل الفعل الذي يخيل إليه في الظاهر أنه لم يؤمن بعهد.

 ولايعلم أن التزيين غلب على القلب لا على ما في القلب، من المعرفة، فقد تصير مأسورا لكن أبداً لن يغلبك الهوي ويقهرك.


فقد خلق الله آدم عليه السلام، واصطفاه، وجعله بديع فطرته، وأسجد له ملائكته.

 وسخر له ولذريته ما في السموات والأرض، واستخرج ذريته من ظهره، وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى صلبه،.

ثم نقلهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى دار الدنيا ليعبدوه، وليوفوا له بما عهد إليهم يوم الميثاق.

بأن لا يشركوا به شيئاً، إلى آجالهم التي كتبها في المقادير، إلى أن تنقضي مدة الدنيا.

 فيبعثهم للجزاء، وليكونوا فريقين، فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير.

اليقين في الله:


فمن نوّر الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته على نفسها.

فرضيت لها به وكيلاً، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير.

 لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل

فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيماناً به، وقبولاً له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت.

واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك.

 وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم.

سبب خلق اللوح المحفوظ:

فوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلاً، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم.

وأحق وأولى بهم فهو ملكاً قادراً قاهراً، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، فخلق اللوح وأثبت مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك.

 ولكن ليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس وتستقر على ما جرى القلم به.

فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوب فيما يراد بها.

وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى به القلم.

وعند الإياس تسكن النفوس.

وإنما دعانا إلى أن نعبده، ونقيم حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد.

فأثبت في اللوح أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ.

 وكل ذلك منه رحمة علينا، وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها).

أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم فعل ذلك، فقال: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).

فإن التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك.

والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك.

قال تعالي: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون).

وقال في شأن الرزق: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين).

 ثم قال تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). أي من يأكل تلك الحبة ومن يرزقها.

ترويض النفس البشرية:

فان اضطربت نفسه على ضمانه لقلة اليقين وغلبة الهوى وحرارة الشهوات.

خاطب نفسه فقال: يا أيتها النفس لم تضطربين؟ قالت: لأني محتاجة، وخلقت مضطرة، ذات شهوات، لا أبصر أمكنة الأشياء، ولا أعرف أوقاتها، ولا أعلم مقدارها، واشتبهت على كيفية أسباب وصولها إلي.

فقال لها: أيتها النفس، إن كنت قد آمنت بربك.

فحقيق عليك أن يكون كلام رب العالمين ووعده وضمانه وتكليفه أثبت عندك وأوكد وأقوى من الذي تبصرينه على المشاهدة.

أما لو كان لك يا نفس قدرا معلوما ومحددا من الرزق من أي ملك، أكنت تطمئنين؟

فإن وجدتها قد طابت وسكن اضطرابها لما وجدت، عالجها بآية الرزق، حيث يقول تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها).

لقد فهمت يا نفس لم اضطربت بعد أن أيقنت بضمان ربك، إنك ذات شهوات.

ففيك شهوة العز، فأنت تهربين من الذل، وفيك شهوة ألوان الطعام، فأنت تهربين من البؤس، فيك شهوة إدراك المنى، فأنت تهربين من فوتها.

وإنما تضطربين لأنك أردت أن يكون رزقك في وقت، وأراد الله أن يكون في وقت آخر.

 واشتهيت أن يكون موصوفا واضحا، وأراد ربك غير ذلك، وأردت من وجهه راحة، وأراد ربك من وجه تتعبين فيه.

 وأردت كثيراً، وأراد ربك أقل من ذلك.

فأصبحت وأمسيت مخالفة لربك في مشيئاته وإرادته، فحملك ذلك على الشهوة، حتى غلبتك، فرمتك في أودية المهالك.

فأقبلت بهلعك وجزعك على حطام الدنيا، من سبيل الخبائث والأقذار والشبهات والأوساخ، لسكون نفسك به.

ثم منعت حقوق الله فيه من ظاهر الأحكام، فقطعت الأرحام، وباغضت العباد، واستخفت بحقوق المسلمين والمؤمنين، وهربت من إنصافهم.

فأصبحت وأمسيت ظلوماً غشوماً، ووعيد الله ينادي في سمعك.

 قال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين).

فهل تعرف مقدار الخردلة من الظلم ما هو، وكيف يكون؟ لو وجد فيك هذا الوعيد شيئا من إدراك لطارت منك الشهوات، ومات منك الهوى.

فأهل الفهم راضوا أنفسهم وتدبروا

فقالوا: كيف كيف لنا بأن لا نأسى على ما يفوتنا من الدنيا، وتمنوا إليه حاجة.

وبحثوا من أين يدخل الضرر عليهم، فوجدوا أنهم لما الحت عليهم الحوائج في أنفسهم، تحدثوا بها وتمنوها.

وطلبوها على التملك والاقتدار، وأطعموا أنفسهم في إصابتها، فلما فاتهم، وجدوا الأسى والحزن على فوت ذلك.

ففهموا أن هذا إنما دخل عليهم من أجل أنهم تمنوها.

 فوجدت النفس حلاوة وجودها، وقوى الهوى، فراضوا أنفسهم بترك الشهوات، وقطع المنى، فخمدت نيران شهواتهم.

ففارقوا الهوى جهدهم، لمجاهدتهم إياه، حتى ذلل وأنقمع، وكلما بدا لهم أمر، أو خطر ببالهم، لم يتمنوا ولا أطمعوا أنفسهم.

 وانتظروا ما يبرز لهم من المسطور في اللوح السابق قبل خلق السموات، فسلموا لربهم، وانقادوا لحكمته كالعبيد.

أولئك (أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، استنارت قلوبهم باليقين، فصارت أمورهم في ظل يقينهم كالمعاينة.

 كلما حل بهم أمر من عسر أو يسر، أو خوف أو أمن، أو ذل أو عز، أو بلاء أو نعمة، حرقت أبصار قلوبهم.

فأبصرت في لحظة أن هذا الأمر قد كان في اللوح المحفوظ كما برز لنا الآن، وهو حكم الله علينا.

ولم يكن فيهم من الشهوات ولا من الهوى من القوة ما يثقل عليهم قبوله من ربهم، وتلقوا أمره بالهشاشة وطلاقة النفس وبشر الوجوه.

الرضا والصبر:

فهم الراضون والصابرون، قبلوا على كره من نفوسهم وجهد، لأن شهواتهم حية قوية في نفوسهم، ويقينهم ضعيف.

 لم يبصروا اختيار الله لهم ذلك، ورأفته ورحمته عليهم، ولم يكن لا اختيار الله تعالى ولا لمشيئته عندهم موقع حلاوة.

فكانت تلك الحلاوة تمازج مرارات النفوس، فتذهب بالمرارة، كما تجد المرارات في الأدوية، فتمزج بالعسل والسكر وما أشبه ذلك، فيغلب عليه، فتفقد تلك المرارات منه؛ وإنما تقع حلاوة صنع الصانع في قلبك على قدر حبك للصانع، وإنما تحب الصانع على قدر معرفتك بقدره، وكلما كنت به أعلم، وكان هو أرفع منزلة في الأشياء

كان قدره عندك أعظم، وهو إليك أحب.

ولذلك قيل: أشدهم حبا له أعلمهم به، وأعرفهم له، ومنه قول بديل العقيلي: (من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها).

فمن عجز عن الرياضة، فإنما يقبل أحكام الله تعالى ومشيئاته على حد الإيمان.

وصبر على أموره على حد التقوى بأركانه، على ثقل من نفسه، وتنغيص وتكدير من عيشه، وجهد من قلبه.

 ومن راضها وأدبها استقامت في السير، وانفطمت عن أخلاقها، وتداركه ربه بالنصر والمدد، وأنجز له الوعد:

فقد بين هذا الشأن في آيتين من كتابه، فقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده) فأمر بمجاهدة النفس، وفطمها عن أخلاق السوء، عن أن يريد غير ما يريد الرب جل وعلا.

فلو تركنا في جميع أعمارنا لكان، هذا أمراً هائلاً عظيما، لكنه وعد في آية أخرى أن يخلصنا من وباله، ويؤدبنا ويبصرنا.

فقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين). فهو هاديك، وهو معك في النصر والتأييد، فرحمته منك قريب، ممن يقويك ومن يدركك.

واعلم أن الصابر عاجز عن مقام الراضي

، وأن الراضي باليقين أدرك ذلك، لأنه عاين عواقب الأمور.

وذلك بمنزلة رجل كان له كيس من دراهم، افتقده من حيث وضعه، وهو لا يملك شيئاً سواه، فثار في رأسه كالثيران، من شدة الوجد لفقده.

حتى تبين ذلك في أحواله وفي وجهه، وظهر اغتمامه بذلك، فقال له رجل ملئ وفي بر صدوق:

 أنا أعطيك رأس السنة بدل كل درهم ديناراً؛ فسكن إلى قوله، وسكن بعض ما به من الوجد، فلا يخلو من الاغتمام،

فهو يصبر على كره، إلا أنه مازج ما أطمع فيه، الوجد الذي في نفسه، فخف ما به وهو كاره صابر.

ورجل آخر افتقد كيساً من دراهم، وفي ملكه ملء بيوت من جواهر، ولا يبالي به، وهو في ذلك كالذي افتقد فلساً.

 فالأول هو غنى بالمال، والثاني غنى بربه ومليكه، فالأول فرح بالمال والأحوال.

 والثاني فرح بالله، ثم بفضله ورحمته، عامة ملجئه ومفزعه إلى الله عز وجل، فالأول قلبه مأسور بالأشياء، قد ملكته حلاوتها.

والثاني سكن قلبه حلاوة قرب الله عز وجل، فالأول قلبه بالأشياء، وبالأشياء تعلقه؛ والثاني مشتغل بالله وإليه منيب، وبه متعلق.

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: