أركان الصوم وشروط صحته ومبطلاته ومكروهاته والمستحب فيه بالتفصيل

أركان الصوم وشروط صحته ومبطلاته ومكروهاته والمستحب فيه بالتفصيل

أركان الصوم وشروط صحته ومبطلاته ومكروهاته ومستحباته بالتفصيل

نوضح لك شروط وجوب الصوم، وشروط صحة الصوم، والفرق بين شروط الوجوب والصحة، كما نوضح أركان الصوم، ومبطلات الصوم، المفطرات، والأعذار المبيحة للفطر، وحكم الإفطار لغير ذوي العذر، وكفارة الإفطار بغير عذر، ومستحبات الصوم، ومكروهاته، ومراتب الناس في الصوم.

حكم صوم رمضان

صوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع، معلوم من الدين بالضرورة، وهو أحد أركان الإسلام، يكفرُ جاحدُه إلا إذا كان جاهلًا نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، أو كان قريب عهد بالإسلام، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ}، أي: فُرض {عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖ} أي: أيام شهر رمضان؛ حيث بيَّنها الله تعالى بعد ذلك بقوله: {شَهۡرُ رَمَضَانَ}.

واتفق الأئمة الأربعة على أن صوم رمضان واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، طاهر من حيض أو نفاس، مقيم، قادر على الصوم.

شروط وجوب الصوم

إذا توافر في الإنسان الشروط التالية فقد وجب عليه صوم رمضان:

1) الإسلام.

2) البلوغ.

3) العقل.

4) القدرة على الصوم.

وتتحقق القدرة على الصوم (بالصِّحَّة)؛ فلا يجب صوم رمضان على المريض ومَنْ في معناه مِمَّن تلحقه مَشَقَّة بالصوم فوق استطاعته، و(بالإقامة) فلا يجب على الْمُسَافر، و(بعدم المانع شرعًا) فلا يجب على الحائض والنُّفَساء.

ومن أفطر في هذا الوقت لعذر فالصوم غير واجب عليه، إلا أن عليه قضاء هذه الأيام التي أفطرها بعد زوال المانع، أما من يتعذر عليه القضاء فعليه فدية وذلك كالمريض مرضًا مُزْمِنًا لا يستطيع معه الصوم.

شروط صحة الصوم

يصح صوم من توافرت فيه الشروط الآتية:

1- (الإسلام) فلا يصح صوم الكافر.

2- (العقل) ويقصد به التمييز، فلا يصح صوم المجنون، أو الصبي غير المميِّز.

3- (النقاء عن الحيض والنفاس).

4- (قبول الوقت للصوم). بمعنى أن يكون وقت الصوم غير منهي عن الصيام فيه كيوم الفطر، والأضحى، وأيام التشريق الثلاثة.

الفرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب:

إن انعدام شرط الوجوب لا يبطل الصيام، بخلاف شرط الصحة فإن عدمه يمنع من صحة الصوم.

قال شيخ الإسلام البرهان الباجوري الشافعي في “حاشيته الفقهية”: “وبعض هذه الشروط مشترك بين الصحة والوجوب، وبعضها مختص بالوجوب؛ فالإسلام والعقل شرطان للصحة كما هما شرطان للوجوب، لكن المراد بالإسلام الذي هو شرط للصحة: الإسلام بالفعل في الحال؛ بدليل أنه لا يصح من المرتد، والمراد بالإسلام الذي هو شرط للوجوب: الإسلام ولو فيما مضى؛ بدليل أنه يجب على المرتد (أي أن حصول الإسلام من المرتد قبل ردته سبب في وجوب قضاء ما فاته من الصوم في الردة بعد عودته إلى الإسلام)؛ فالاشتراك في الإسلام بحسب الظاهر ولا اشتراك في الحقيقة. والبلوغ شرط للوجوب وليس شرطًا للصحة؛ بدليل أنه يصح من غير البالغ إن كان مميزًا. وكذلك القدرة على الصوم شرط للوجوب وليست شرطًا للصحة؛ لأنه لو تكلف وصام مع المشقة صح صومه”[1].

أركان الصوم

للصوم الواجب رُكْنَان هما:

1- (النية) ويشترط إيقاعها ليلًا قبل الفجر عند الجمهور، لكنها تصح عند الحنفية في الصوم المعين قبل الزوال، ومجرد التسحر من أجل الصوم يُعَدُّ نيَّة مجزئة؛ لأن السحور في نفسه إنما جُعِل للصوم، بشرط عدم رفض نية الصيام بعد التسحر، ويكون لكل يوم من رمضان نِيَّة مُسْتَقِلَّة تسبقه، وأجاز الإمام مالك صوم الشهر كله بنيَّة واحدة في أوله.

أما إذا كان الصوم غير واجب فيجوز تأخير النية لما بعد الفجر إلى الزوال، لمن لم يأت بمُفَطِّرٍ وأراد أن يكمل اليوم صائمًا تطوعًا فله ذلك.

2- (الإمساك عن المفطرات) التي يبطل بها الصوم. وهذا الركن لا بد منه في الصوم مطلقًا سواء كان واجبًا أو تطوعًا.

مبطلات الصوم (المفطرات)

تنحصر مبطلات الصوم فيما يلي:

1) تعمد إدخال عَيْنٍ إلى الجوف من مَنْفَذٍ مفتوح (كالفم – والأنف) ولا تُعْتَبَر العين مَنْفَذًا مفتوحًا، وكذا مسام الجلد. والجوف عند الفقهاء: ما يلي حلقوم الإنسان كالمعدة، والأمعاء، والمثانة –على اختلاف بينهم فيها-، وباطن الدماغ، فإذا تجاوز المُفَطِّر الحلقوم ودخل الجوف إلى أيِّ واحدة منها من منفذٍ مفتوح ظاهرًا حِسًّا فإنه يكون مفسدًا للصوم.

2) تعمد الإيلاج في فَرْج (قُبُل أو دُبر)، ولو بلا إنزال.

3) خروج الْمَنِي عن مُبَاشَرة، كَلَمْسٍ أو قُبْلَة ونحو ذلك.

4) الاسْتِقَاءة، وهي تعمُّد إخراج القيء، أما من غَلَبه القيء فلا يفطر به.

5) خروج دم الحيض.

6) خروج دم النفاس.

7) الجنون.

8) الرِّدَّة.

الأعذار المبيحة للفطر وحكم من أفطر لعذرٍ منها

يُبَاح الفطر لِمَن وجب عليه الصوم إذا تحقق فيه أمر من الأمور الآتية:

(العجز عن الصيام) لكبر سِن، أو مرض مُزْمن لا يُمكن معه الصيام، وحكمه إخراج فدية عن كل يوم وقدرها مُدّ من طعام لِمِسْكِين؛ لقوله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖ} [البقرة: 184]، ومِقْدَار المد (وهو مكيال) يساوي بالوزن 510 جرامات من القمح عند جمهور الفقهاء.

(المشقة الزائدة غير المعتادة) كأن يشق عليه الصوم لِمَرض يُرجى شِفَاؤه، أو كان في غزو وجهاد، أو أصابه جوع أو عطش شديد وخاف على نفسه الضرر، أو كان مُنْتَظِمًا في عمل هو مصدر نفقته ولا يمكنه تأجيله ولا يمكنه أداؤه مع الصوم، وحكمه جواز الفطر ووجوب القضاء.

(السفر) إذا كان السَّفر مُبَاحًا، ومسافة السفر الذي يجوز معه الفطر: أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، قدَّرها العلماء بِالأَمْيَالِ، وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، وبالفراسخ: سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَتُقَدَّرُ بِسَيْرِ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ، وهي تساوي الآن نحو: ثلاثة وثمانين كيلو مترًا ونصف الكيلومتر، فأكثر، سواء كان معه مَشَقَّة أم لا، والواجب عليه حينئذ قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقوله D: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].

(الحَمْل) فللحامل أن تأخذ برخصة الإفطار وليس عليها بعد ذلك إلا القضاء ما دامت مستطيعة له كما هو مذهب الأحناف.

(الرضاعة) وهي مثل الحمل، وتأخذ نفس الحُكْم.

(إنقاذ محترم وهو ما له حُرْمَة في الشَّرع كمُشْرِفٍ على الهلاك) فإنه إذا توقَّف إنقاذ هذه النَّفْس أو جزء منه على إفطار الْمُنْقِذ جاز له الفطر دَفْعًا لأشد المفسدتين وأكبر الضررين، بل قد يكون واجبًا كما إذا تعيَّن عليه إنقاذُ نفسِ إنسانٍ لا مُنقذ له غيرُه، ويجب عليه القضاء بعد ذلك.

حكم الإفطار لغير عذر من الأعذار المذكورة:

الإفطار في نهار رمضان بلا عذر كبيرةٌ من كبائر الذنوب، وتجب التوبة على مَنْ أفطر في رمضان لغير عذر؛ فلا بد من أن يتوب المفطر منها التوبة الصادقة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَإِنْ صَامَهُ»[2].

والإفطار قد يكون مُوجِبًا للقضاء والكفَّارة أو أحدهما على التفصيل الآتي:

 يكون الفطر موجبًا للقضاء والكفارة وإمساك بقية اليوم، وهو منحصر عند الشافعية والحنابلة في تعمد قطع الصوم بالإيلاج في فرج (الجماع).

 ويكون موجبًا للقضاء وإمساك بَقِيَّة اليوم بلا كفَّارة، وموجبه ارتكاب ما عدا الجماع من المفطرات السابق ذكرها، وأوجب الحنفية والمالكية الكفارة في الأكل والشرب عمدًا أيضًا.

والكفارة ثلاث خصال:

الأولى عتق رقبة عن كل يوم أفطره بالجماع، واشترط فيها الجمهور أن تكون مؤمنة خلافًا للحنفية، وقد سقط هذا الحكم الآن لسقوط محله؛ حيث صدرت معاهدات دولية شارك فيها المسلمون بمنع الرقِّ وإلغائه، فينتقل المكفِّر إلى الخصلة التالية مباشرة وهي صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن عجز عن كل هذه الأمور سقطت عنه الكفارة حتى يقدر على فعل شيء منها. وخصال الكفارة على التخيير عند المالكية؛ فإذا فعل المكَفِّر أيَّ خصلة منها أجزأته.

مستحبات الصوم

التسحُّر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[3].

تأخير السحور؛ لما روي عن زيد بن ثابت I، قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً»[4].

تعجيل الفطر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ»[5].

الدعاء عند الفطر وأثناء الصيام؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم» وذكر منهم «الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ»[6]. ومما روي من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ»[7].

الإفطار على رُطَبَاتٍ، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن فعلى ماء؛ لحديث أنس بن مالك I قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ»[8].

الكفُّ عما يتنافى مع الصيام وآدابه، فعن أبي هريرة I أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[9].

أشياء يباح للصائم فعلها

الاكتحال، حتى ولو وجد طعم الكحل في حلقه؛ لأن العين لا تعتبر منفذًا شرعًا على المختار للفتوى.

التقطير في العين، حتى ولو وصل إلى الحلق على المختار للفتوى.

الادِّهان بالزيوت والمستحضرات الطبية المختلفة، حتى ولو وصل إلى جوفه بتسَرُّب المدهون من خلال مسام الجلد والبشرة.

استعمال السواك قَبْلَ الزوال (أي: الظهر).

الاغتسال؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كان يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ» [10].

الحقن عن طريق الجلد سواء كان في العضل أو في الوريد، بخلاف الحقنة الشرجية فإنها مُفَطِّرَة، وعند المالكية أنها مكروهة فقط فلا يجب القضاء عندهم بالحقنة الشرجيَّة.

النَّوم ولو استغرق جميع النهار، بشرط أن لا يتعمد تضييع الصلوات فإن ذلك حرام.

بَلْع ما لا يمكن التحرز عنه كالريق، وغبار الطريق، كما يُباح شَمُّ الروائح الطيبة.

مكروهات الصوم

يكره للصائم أمور، يُثاب على تركها، ولكنه إذا فعلها لا يبطل صومه، منها:

المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «بَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»[11].

ذَوْق الطعام بغير حاجة، خَوْفًا من وصوله إلى جوفه.

أن يجمع الصائم ريقَهُ ويبتلعه.

القُبْلة لِمَن تُحَرِّك شهوته، وكذا المباشرة ودواعي الوطء.

الحجامة، وهي استخراج الدم الفاسد من الجسم بطرق معينة؛ لأنها تضعف الصائم.

شم ما لا يأمن أن تجذبه أنفاسه إلى حلقه كمسحوق المسك والبخور وما شابه.

الانشغال باللهو واللعب؛ لما فيه من الترفُّه الذي لا يناسب الصوم ومعانيه الروحية.

استعمال السواك بعد الزوال (أي: بعد الظهر) وذلك عند الشافعية ورواية عند الحنابلة، خلافًا للجمهور فليس عندهم مكروهًا.

مراتب الناس في الصوم

في ضوء ما تقدم من أركان الصوم وواجباته ومبطلاته ومستحباته ومكروهاته، يمكن القول بأن الناس في الصوم على ثلاث مراتب:

صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

أما صوم العموم فهو: كفُّ البطن والفرج عن قضاء الشَّهوة، كالأكل والشُّرب والجماع.

وأما صوم الخصوص فهو: كفُّ البطن والفرج، مع كفِّ الجوارح الستة، وهي: (السَّمْع والبَصَر واللِّسَان واليد والرِّجْل والفَرْج) عن الآثام، فإنَّ ما يرتكبه المسلم من آثامٍ أثناء صومه تنقص من ثوابه، وتحجب عنه الكثير من نفحات هذا الشهر الكريم؛ حيث إن الصوم الصحيح غير المقترن بالمعاصي في حدِّ ذاته واقٍ لصاحبه من النار، ومُلابَسةُ الصائم للمعاصي تُعْتَبَر خَرْقًا لهذا الواقي، وهذا المعنى مروي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ، مَا لَمْ يَخْرِقْهُ»[12]، ومعنى جُنَّة: وقاية، قال ابن العربي: “إِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ جُنَّةً مِنَ النَّار؛ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَن الشَّهَوَاتِ، وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ”. قال ابن حجر معقِّبًا: “فَالْحَاصِل أَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَات فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنَ النَّار فِي الْآخِرَة”[13].

فالخصوص من المؤمنين هم الذين يسعون لسلامة صيامهم من الآثام، مجاهدين لأنفسهم في ذلك، بكفِّ جوارحهم عن المعاصي.

فكفُّ السمع: بعدم الإصغاء إلى ما نُهِيَ عنه، كالتجسُّس على الناس، وسائر الأقوال المحرمة كالغِيبة والنميمة وغير ذلك، بخلاف ما إذا دخل عليه ذلك قهرًا وكرهه، ولزمه الإنكار إن قدر.

وكفُّ البصر: بعدم النظر إلى ما يُذم شرعًا، وإلى ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله، فيجب على الصائم أن يحفظ عينه عن المحرمات، فإنما خُلقت العين ليُهْتَدَى بها في الظلمات، ويستعان بها في الحاجات، وينظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات ويعتبر بما فيها من الآيات.

ومما ورد في كفِّ البصر قول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لِعَلِيٍّ: «يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ»[14].

وروي عن سيدنا عيسى S أنه قال: “إيَّاكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة”[15]، وسُئِلَ الْـجُنَيْد I: بِمَ يُستعان على غضِّ البصر؟ فقال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره[16].

وكفُّ اللسان: بحبسه عن الهذيان والكذب والغِيبة والنميمة والفحش، والاستهزاء بالناس، وشهادة الزور، والخُلف في الوعد، إذا وعده وهو يضمر الخُلف.

وكفُّ اليد: بحَبْسها عن البطش بِمُحرَّم من كَسب أو فاحشة أو تَعَدٍّ، كالتطفيف في الكَيْل والوزن، والسَّرقة، وأخذ الرشوة وإعطائها، ولعب الميسر  -وهو كل ما فيه قمار-، وكتابة ما يحرم النطق به، والتطاول على الناس بالأذى والضرب.

وكفُّ الرِّجل: بحبسها عن السعي إلى ما لم يؤمر به ولَمْ يُندب إليه، كالمشي في وشاية بِمُسْلِم إلى حاكم أو غيره، والسعي إلى الحرام، والمرور بين يدي المصلي قصدًا من غير حاجة.

وكفُّ الفرج: بمنعه عمَّا لا يحلُّ للصائم في نهار رمضان كالجماع، وكفُّه أيضًا عمَّا لا يحل للصائم ولا لغيره: كالزِّنا، واللواط، وإتيان البهائم، والاستمناء باليد، والوطء في الحيض.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكفِّ اللسان عن قبائح الأقوال، وكفِّ الجوارح عن قبائح الأفعال، في كلامٍ جامعٍ، فقال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ»[17]. ويرفث بضمِّ الفاء وكسرها، والمراد بالرَّفَث هنا: الكلام الفاحش، وهو يُطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته[18].

وما ذكرناه من كف الجوارح واجب مطلقًا في الصوم والإفطار، وإنما ذكرناه في خصوص الصيام؛ لأن الْحُرْمَة فيه أشدُّ من الحرمة في غيره، قال القرطبي: “لا يُفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم”[19]، فينبغي للصائم أن يحفظ جوارحه من كل ما فيه حرمة.

 

فإذا لم يزل الإنسان متبعًا هواه عاكفًا على معصية مولاه، فليعلم أنه لم ينل ثواب صوم رمضان، وإنما هو جائع عطشان. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ»[20]، وقال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[21].

وأما صوم خصوص الخصوص: فهو زيادة على ما سبق: صوم القلب عن الهمم الدَّنِيَّة، والخواطر الشهوانية، وكفه عما سوى الله بالكلية[22]، فلا يتعلق قَلْبُه إلا بالله، مع ممارسته لحياته العادية لتحقيق مراد الله في إعمار الكون.

المصادر:

[1] حاشية الشيخ الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي على أبي شجاع (1/373)، ط. بولاق، سنة 1285هـ.

 

[2] أخرجه البخاري (2/682).

 

[3] أخرجه البخاري (2/678). ومسلم (2/770).

 

[4] أخرجه البخاري (2/678). ومسلم (2/771).

 

[5] أخرجه البخاري (2/692). ومسلم (2/771).

 

[6] أخرجه الترمذي في سننه (5/578). وابن ماجه في سننه (1/557). وأحمد في مسنده (2/304).

 

[7] أخرجه أبو داود في سننه (1/719).

 

[8] أخرجه أبو داود في سننه (1/719). والترمذي في سننه (3/79).

 

[9] أخرجه البخاري في صحيحه (2/673).

 

[10] أخرجه أبو داود (1/721). وأحمد في مسنده (5/380).

 

[11] أخرجه أبو داود (1/721).

 

[12] أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3/194).

 

[13] ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (4/104).

 

[14] أخرجه أبو داود (1/652)، ط. دار الفكر. والترمذي (5/101)، وقال: هذا حديث حسن غريب.

 

[15] أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (ص167)، ط1 دار الجنان، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، سنة 1408هـ. وابن الأعرابي في الزهد وصفة الزاهدين (ص72)، ط1 دار الصحابة للتراث، طنطا، سنة 1408هـ.

 

[16] ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي (ص162)، ط1 دار المعرفة، بيروت، سنة 1408هـ.

 

[17] أخرجه مسلم (2/806). وأبو داود في سننه (1/720). وابن ماجه في سننه (1/539)، واللفظ لأبي داود.

 

[18] ينظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري (4/104).

 

[19] المرجع السابق.

 

[20] أخرجه النسائي في السنن الكبرى (2/239)، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1411هـ. وابن ماجه في سننه (1/539).

 

[21] أخرجه البخاري (2/673).

 

[22] ينظر: مرشد العوام في أحكام الصيام (ص22- 24).

 

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: