“إن مع العسر يسرا”معناها وفرح النبي بها

“إن مع العسر يسرا”معناها وفرح النبي بها

{ فإن مع العسر يسرا } { إن مع العسر يسرا }

أياتان استوقفتا جميع العلماء، فالمفسرين واللغويين وأهل العقيدة والمحدثين.

فالجميع احتفي بهاتان الآيتان من شدة الإبداع اللغوي واليسر والراحة والجمال الوارد بهما.

وهو ما جعلهما مضرب المثل بين العامة والخاصة.

لذا نعرض لتفسير العلماء لهما وأهم التأملات التي وردت حول الأيتان.

تفسير الأياتان:

 تفسير الكشاف/ الزمخشري ت 538 هـ

{ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة.

حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم.

فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال { فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}.

كأنه قال خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً.

فإن قلت { إِنَّ مَعَ } للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟

قلت أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرّب اليسر المرتقب

حتى جعله كالمقارن للعسر.

زيادة في التسلية وتقوية القلوب.

فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين.

وقد روي مرفوعاً أنه خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول ” لن يغلب عسر يسرين ” قلت هذا عمل على الظاهر.

 وبناء على قوّه الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه.

والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } 

لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب.

فالأولى عدّة بأنّ العسر مردوف بيسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر.

فهما يسران على تقدير الاستئناف.

تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ)

وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول الله.

ويقولون: إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالاً حتى تكون كأيسر أهل مكة.

فشق ذلك على رسول الله حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيرًا عندهم.

فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة، وقال:{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ }

أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر.

والمراد من اليسرين: يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد.

ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة.

فالمراد من قوله: «لن يغلب عسر يسرين» هذا، وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا، ويسر الآخرة كالمغمور القليل.

تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) 

{ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ } كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم.

{ يُسْراً } كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك.


{ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تكرير للتأكيد أو استئناف وعده بأن { ٱلْعُسْرَ } متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة.

 تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ)

(إن مع العسر) وهو إخراج أهل مكة النبي (يسراً) وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل.

في عز وشرف ثم قال عز وجل

تفسير النكت والعيون/ الماوردي (ت 450 هـ)

“فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً” فيه وجهان:

أحدهما: إن مع اجتهاد الدنيا خير الآخرة.

الثاني: إن مع الشدة رخاء، ومع الصبر سعة، ومع الشقاوة سعادة، ومع الحزونة سهولة.

ويحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أن مع العسر يسراً عند الله ليفعل منهما ما شاء.

الثاني: إن مع العسر في الدنيا يسراً في الآخرة.

الثالث: إن مع العسر لمن بُلي يسراً لمن صبر واحتسب بما يوفق له من القناعة أو بما يعطى من السعة.

تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ)

قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله: ” أبشروا, قد جاءكم اليسر، لن يغلب عسرٌ يسرين “.

وقال ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل، إنه لن يغلب عسرٌ يسرين.

تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور/ السيوطي (ت 911 هـ)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: { فإن مع العسر يسراً } قال: اتبع العسر يسراً.

وعن قتادة في قوله: { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال:

” لن يغلب عسر يسرين “
و عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية { إن مع العسر يسراً } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين “.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: ” بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون، علينا أبو عبيدة بن الجراح، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألتموه أن يزوّدكم، فرجعنا إليه، فقال: إني قد عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه. فانصرفنا، ونزلت { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } فأرسل نبي الله إلى بعضنا، فدعاه، فقال: أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } ولن يغلب عسر يسرين “.

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر، فقال: ” لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } “.

فرح النبي بالأية:

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً، وهو يضحك ويقول: ” لن يغلب عسر يسرين { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } “.

طائفة من المعاني المستفادة من الأية:

رابعاً: اليقين بالفرج:

لا يشك العاقل أن نصر الله قريب، وفرجه آتٍ لا ريب فيه، وأن بعد الضيق سعة.

ومع العسر يسراً؛ لأن الله وعد بهذا، والله لا يخلف الميعاد.

هذا اليقين جدير أن يبدد ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.

ولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقروناً بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ}.

وقوله جل شأنه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}.

وقد وعد الله عباده الصابرين بقرب الفرج في صور، منها:

الأولى: الوعد بالسعة بعد الضيق، والرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وفي هذا يقول جل وعلا: {سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}.

ولم يكتف الخالق – سبحانه وتعالى – أن جعل اليسر بعد العسر، بل جعله في موطن آخر معه وبصيغة التأكيد حيث قال: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

وفي هذه الآيات يتجلى أمران:

تحقق اليسر بعد العسر تحققاً قريباً حتى كأنه معه ومتصل به.

حتى لو دخل العسر جحر ضب لتبعه اليسر، ولن يغلب عُسرٌ يُسرَين.

وأن مع العسر يسراً بالفعل، ولكن قد يكون ملموساً أو مكنوناً، ففي كل قدر لطف، وفي كل بلاء نعمة.

ولا يشكّ مؤمن عرف ربه وآمن به أن الله يُقدِّر ويلطف: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.

لأنه أعلم بمن خلق وأرحم بهم من أنفسهم: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

الثانية: الوعد بحسن العاقبة، والعبرة بالعواقب، والمدار على الخواتيم. قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

الثالثة: الوعد بحسن العوض عما فات، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.

ولا ييأس العارف من زوال شدة مهما استحكمت فإن الفرج بيد الله الذي قال وقوله الحق:

{فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً} ولا ييأس من حصول خير مهما سما وابتعد.

لأنه يؤمن أن الأمر بيد من إذا أراد شيئًا قال له: كن فكان وإن بدا محالاً في نظر الجهلاء.

ولا يقنط العارف ولا يقنط مؤمنًا من رحمة الله التي وسعت كل شيء وإن كانت ذنوبه أمثال الجبال والرمال.

ولا يؤمن العارف مستقيمًا من العذاب مهما كان العمل من الصالحات لأنه يغفر الذنوب جميعًا.

وأنه له الحجة البالغة وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه جل وعلا فلا تغفل عن ذلك وإن أهمله الكثير من الناس.

قال أحد العلماء: الغموم ثلاثة: غم الطاعة أن لا تقبل، وغم المعصية أن لا تغفر، وغم المعرفة أن تسلب.

أنواع الصبر ومجالاته في ضوء الكتاب والسنة


المؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

كلمات في اليأس والقنوط

أخي الكريم لا تيأس ولا تقنط فإن:

المؤمن يذنب ويتوب ووعد سبحانه بأنه يغفر لمن تاب.

  كتب ربكم على نفسه الرحمة.

 يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرت الله غفر لك.

 – الذي خلقك هو أعلم بما يصلحك.

 –  ليس دوما يبتلى العبد ليعذب بل ليصطفى ويهذب.

 إنما يوجد الذهب في بطون الجبال لا في قارعة الطريق فتأمل.

 يأس من قبلك فضاع عمره وفسد قلبه وتنكدت حياته فاحذر.

 تفاءل بالخير تجده.

 –  لا تنظر للنصف الفارغ من الكوب.

  – إن مع العسر يسرا ولن يغلب عسرا يسرين.

  – لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر.

 أنعم الله عليك فلا تنكر نعم الله.

 – ميزك الله بقدرات ليست فيمن حولك فحاول أن تكتشفها.

 – لا تيأس ولا تقنط؛ فالأذان رفع فوق الكعبة بعد سنين من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان يقال لو أسلم حمار الخطاب لأسلم عمر، ثم كان الفاروق.

ويتحول الفضيل بن عياض من لص قاطع الطريق إلى إمام في الدين.

ويُرفع الصليب على المسجد الأقصى تسعون سنة ثم يُرفع فيه الأذان.

 ويُنصر المسلمون على التتار بعد 41 عاماً من القتل والأسر والتشريد.

وهكذا دواليك .

موسوعة الأخلاق الإسلامية، إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف

“إن مع العسر يسراً”

يا إنسان بعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ري، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية.

وسوف يصل الغائب، ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام.

بشر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال، ومسارب الأودية،

بشر المهموم بفرج مفاجئ يصل في سرعة الضوء، ولمح البصر، بشر المنكوب بلطف خفي، وكف حانية وادعة.

إذا رأيت الصحراء تمتد وتمتد، فاعلم أن وراءها رياضاً خضراء وارفة الظلال.

إذا رأيت الحبل يشتد ويشتد، فاعلم أنه سوف ينقطع.

مع الدمعة بسمة، ومع الخوف أمن، ومع الفزع سكينة.

النار لا تحرق إبراهيم الخليل، لأن الرعاية الربانية فتحت نافذة {برداً وسلاماً على إبراهيم} .

البحر لا يغرق كليم الرحمن، لأن الصوت القوي الصادق نطق بـ “كلا إن معي ربي سيهدين

المعصوم في الغار بشر صاحبه بأنه وحده جل في علاه معنا؛ فنزل الأمن والفتح والسكينة.

إن عبيد ساعاتهم الراهنة، وأرقاء ظروفهم القاتمة لا يرون إلا النكد والضيق والتعاسة.

لأنهم لا ينظرون إلا إلى جدار الغرفة وباب الدار فحسب.

ألا فليمدوا أبصارهم وراء الحجب وليطلقوا أعنة أفكارهم إلى ما وراء الأسوار.

إذاً فلا تضق ذرعاً فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج.

والأيام دول، والدهر قلب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن.

ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، وإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.

لا تحزن

المؤلف: عائض بن عبد الله القرني

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: