قصة فتاوى ابن تيمية المتشددة والظلم الذي تعرض له في وصفه بالإرهابي

قصة فتاوى ابن تيمية المتشددة والظلم الذي تعرض له في وصفه بالإرهابي

موجة عاتية من الإهانة يتعرض لها الشيخ ابن تيمية في الوقت الراهن، بعدما تم اتهامه بالتسبب في كل العنف والتطرف الذي نراه بفتاويه، وبخاصة الفتاوي المتعلقة بالتكفير والقتال.

ولسنا في صدد الدفاع عن الشيخ، وإنما نريد مناقشة تاريخ وظروف وملابسات صدور العديد من فتاويه، فبعضها قد جاء في ظاهرة غريبا وشاذا لأسباب سنوردها، بينما البعض الأخر لا غني للمسلمين عنه على الإطلاق، ويحيا مليار ونصف مسلم عليه ولا يمكن الاستغناء عن تلك الفتاوي، فالمتتبع لسيرة الشيخ ابن يتيمة تجده قد كرس حياته لأمرين هما مناضلة الجمود الفقهي والخرافة والسفسطة الذي أصابت الأمة، وكانت سببا فيما آلت إليه الأمة من ضعف وانحطاط، وثانيا، مقاومة الاحتلال الذي شن هجمات متتالية على الشام في حياة ابن تيمية، واخذ يتلاعب بالفقه والدين ليحتل الشام بأقل تكلفه، وكان على ابن تيمية الذي يقود علماء الشام مواجهة هذا الانحراف العلمي والمجتمعي، صيانة للدين والأرض الإسلامية في الشام.

وبدأت الحكاية سنة 1260 حينما هزم سيف الدين قطز هزم التتار، وبعد هزيمتهم انسحب التتار من جالوت إلى بلاد فارس، وفي هذه الأثناء بدأ الكثير من التتاريين في دخول الإسلام ثم وبعد 40 عام جاء ملك تتاري اسمه ’’ غازان’’ على رأس جيش كبير من التتار الفُرس لغزو الشام واحتلال دمشق.

وكان ’’ قازان’’ هذا ملك التتار داهية حقيقية في السياسة والقتال، وأراد أن يبث الفرقة في جيش المسلمين المكون من جنود مصرية وشامية، فأشهر “غازان” إسلامه وسمي نفسه ’’ محمود غازان’’ وأرسل رسالة للخليفة العباسي (الذي كان منصبا شرفيا) الموجود في القاهرة يعلن له أنه سيحارب تحت راية خلافته، واستمر ’’ محمود غازان’’ بالزحف والتقدم نحو دمشق لغزوها.

وأعلن العديد من جنود التتار دخولهم الإسلام بأمر من قائدهم ’’ محمود غازان’’ في حيلة لتشتيت معسكر المسلمين وإضعافه ونشر الانقسام بين جنوده، وادخالهم في حالة من الالتباس، فكيف لنا كمسلمين، محاربة جيش يعلن اسلامه؟

ونجحت خطة “غازان” وأنصرف العديد من المسلمين من الجيش وكانوا يرون أنه لا داعي لمقاومة التتار ما داموا قد أصبحوا مسلمين، وبأنه لا فرق بين التبعية للمماليك أو التتار خصوصا وإن ’’ محمود غازان’’ بدأ حرب نفسية ودعائية، ونشر جواسيسه بين جنود الشام ومصر بدعاوي حُرمة قتال جنود التتار المسلمين وكان محور كلامهم يدور حول الحديث الشريف ’’ إذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ’’.

وتحقق مراد “غازان” وهزموا المماليك ودخلوا دمشق سنة 1299 ميلاديا واستباحوا المدينة وعاثوا فيها فساداً وقاموا بالعديد من المذابح، فأصدر عالما كبيرا بالشام، فتوي بوجوب قتال ’’ جيش الطاغوت’’ أي التتار، حتى وإن قالوا بالشهادتين، وتبعها بفتوي برِدّة جنود جيش التتار ووجوب قتلهم وسماهم ’’ الفئة الممانعة’’ أو المانعة (يقصد مانعة لإقامة حدود الله وشعائره…. صوم، حج … الخ).

واستند ابن تيمية في فتواه لإنهم يقتلون المسلمين ويستبيحون الأعراض والنهب والسلب وينطقون بالشهادتين لخدعة المسلمين وقال كلمته الشهيرة ’’ لو رأيتموني في هذا الجانب (جانب التتار) وفوق رأسي المصحف فاقتلوني’’، ومن هنا جاءت فتوي تكفير جيوش تنطق بالشهادة ومن الواضح عزيزي القارئ أنها فتوي زمانية مرهونة بظرف تاريخي، ومن هنا ظهر مصطلح ’’ جند الطاغوت’’ و ’’ جيش الرِدّة ’’ الذي يحاسب البعض عليه ابن تيمية بعد كل هذه القرون.

وبعد 4 سنين من فتاوي ابن تيمية وجمع شتات جنود المسلمين الذين خارت قواهم وضعفت عزائمهم من حيلة جنود التتار بدخولهم الإسلام، أنتصر المماليك بقيادة الملك الناصر محمد بن قلاوون ومعهم أبن تيمية عليهم في معركة سهل شقحب 1303 م.

 

إن محاولة الحرق الكامل لابن تيمية وتراثه التي يشجعها البعض غير ممكنة، فكل دور الفتوي الإسلامية وكل المفتين حول العالم، لن يستطيعوا الاستغناء عن تراث ابن تيمية الفكري والفقهي، فقد قدم أراء قامت عليها حياة المسلمين المعاصرة، فهو صاحب اجتهاد المسح على الجورب، والاجتهاد الأهم له والذي يلجأ له الجميع، هو رأيه في الحلف بالطلاق والذي يري أنه يسقط بفدية، نظرا لأن الرجل أراد الحلف ولم يرد الطلاق، والفدية جراء الحنث في اليمين وليس الطلاق، وغيرها الكثير من الفتاوي.

وفي الأخير، لقد نقد العلماء قديما الشيخ ابن تيمية نقدا قويا وعميقا، وهذا مقبول من العلماء بلا شك، أما محاولات تحميل ابن تيمية كل الأخطاء الاجتماعية والدينية والفكرية الحالية، ووصفه بالإرهابي غير مقبولة ولا منصفة.

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: