القول الصحيح في صلاة التسابيح …تفاصيل اختلاف المحدثين والفقهاء حولها والرأي الشرعي بها وكيفيتها

القول الصحيح في صلاة التسابيح …تفاصيل اختلاف المحدثين والفقهاء حولها والرأي الشرعي بها وكيفيتها

صلاة التسابيح، من الصلوات التي اختلف حولها العلماء، فأختلف أهل الحديث في صحة حديثها، واختلف الفقهاء حولها، وقد جاء البحث الذي عقده فضيلةالدكتور على جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف حاليا، ليجمع كل الأقوال والأراء حول المسألة، ويناقشها ويرجح من بينها ويقدم لنا رأيا سائغا للمقبلين على هذه الطاعة، ويعرض موقع “ثقافة إسلامية” لحضارتكم البحث بتصرف يسير للباحثين، وخلاصة لغيرهم وردت مرتين الأولى في مباديء الفتوي، وفي نهاية البحث تيسير علي غير المختص، سألين المولى أن تعم الفائدة في هذه السنة الطيبة، فإلى التفاصيل:

مبادئ الفتوي في صلاة التسابيح:

1- صحح حديثَ صلاة التسابيح أو حسّينه وقوَّى العمل به جماعةٌ من الحفاظ.

2 – اتفقوا على أنه لا يُعمَل بالموضوع وإنما يُعمَل بالضعيف في الفضائل وفي الترغيب والترهيب.

3 – القول بمشروعية صلاة التسابيح واستحبابها هو ما نص عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا، وهو ما عليه جماهير فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة.

4 – يرى بعض العلماء أن حديثها ضعيف؛ ويُروَى هذا عن الإمام أحمد وقد رجع عنه.

5 – قال العلماء: وإذا عمل الصحاب بحديث دل على قوته.

6 – مجرد المخالفة في هيئة الصلاة عن الهيئة المعتادة لا يقدح في مشروعيتها كما هو الحال في كثير من الصلوات؛ كالعيدين والجنازة والكسوف والخسوف والخوف.

السؤال:

اطلعنا على الطلب المقيد برقم 144 لسنة 2012م المتضمن:

ما حكم صلاة التسابيح؟ وما مدى صحة حديثها؟ حيث يدَّعي بعض الناس أنها بدعة وضلالة، وأن حديثها مكذوب وموضوع. فما حكم الشرع في ذلك؟

الجواب:

حديث صلاة التسابيح:

حديث صلاة التسابيح مرويٌّ من طرق كثيرة مِن حديثِ أكثرَ مِن عشرةٍ مِن الصحابة، وعن عدة من التابعين.

وقد أخرج حديثَها أئمةُ الإسلام وحُفَّاظُه؛ كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في “أجوبته على أحاديث المصابيح” وقد توارثتها الأمَّةُ.

كما يقول العلامة الكاساني الحنفي في “بدائع الصنائع”.

وأمثلُ طرقها حديث عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال:” قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- للعباس بن عبد المطلب:

يا عباس يا عماه، ألا أعطيك! ألا أمنحك! ألا أحبوك! ألا أفعل لك! عشر خصال، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك: أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصل أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكب” خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثم تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة”.

رواه البخاري، وأبو داود وابن ماجه في “سننهما”، وابن خزيمة في “صحيحه”، وأبو علي بن السكن في “صحيحه”، والطبراني في “المعجم الكبير”، وابن شاهين في “الترغيب والترهيب”، والحاكم في “المستدرك”، والبيهقي في “السنن الكبرى” و”الدعوات”، والبغوي في “شرح السنة”.

3 أراء لأهل الحديث في حديث صلاة التسابيح:

وقد صحح حديثَ صلاة التسابيح أو حسّنه وقوَّى العمل به جماعةٌ من الحفاظ، منهم: أمير المؤمنين في الحديث إسحاق بن راهويه، وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وابن خزيمة، وأبو علي بن السكن، وأبو حفص عمر بن شاهين، والدارقطني الذي أفردها بجميع طرقها في جزء، والحاكم في “المستدرك”، وأبو بكر الآجري، وابن منده وألف في تصحيحه كتابًا، والبيهقي، والخطيب البغدادي وجمع طرقها في جزء، ومحيي السنة البغوي، وأبو سعد السمعاني، وأبو موسى المديني وجمع طرقها في جزء سماه “تصحيح صلاة التسابيح”، وأبو محمد عبد الرحيم المصري، وأبو الحسن المقدسي، والحافظ المنذري، والحافظ ابن الصلاح، والنووي في “تهذيب الأسماء واللغات”، والإمامان التقي وولده التاج السبكيان، والحافظ العلائي، والإمام الزركشي، والسراج البلقيني، والعلامة ابن الوزير، والحفاظ: ابن ناصر الدين الدمشقي، وابن حجر العسقلاني، والجلال السيوطي ولكل منهم في تصحيحه جزء، وغيرهم.

ويرى بعض العلماء أن حديثها ضعيف؛ ويُروَى هذا عن الإمام أحمد وقد رجع عنه، والحافظ العقيلي، والقاض أبو بكر بن العرب، والمجد الفيروزآبادي، وقال بكراهة فعلها جماعةٌ مِن الحنابلة، ومال الحافظ ابن حجر للتضعيف في “التلخيص الحبير”، وكتاب “التلخيص” ثم إنه رجع عن ذلك فحسّنها في كتبه التي صنفها بعد ذلك كما في “أمالي الأذكار” التي استمر في تصنيفها حتى توفي؛ كما في “الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر” للحافظ السخاوي.

والقول بتضعيفها لا يستلزم بطلان فعلها أو بدعيته؛ فإن السلف اتفقوا على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وهذا الإمام ابن قدامة الحنبلي يقول -كما سبق النقل عنه:- “وإن فعلها إنسان فلا بأس؛ فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها”. اه.

أما القول بأنها موضوعة فهو قول الحافظ ابن الجوزي الحنبلي، ولم يسبقه إلى ذلك أحد، وتبعه على ذلك ابن تيمية؛ قال ابن مفلح في “الفروع” :”وادَّعَى شيخُنا أنه كذبٌ”.

رد العلماء على من قال بأن حديث صلاة التسابيح موضوع:

 وقد رد عليهم العلماء والحفاظ في ذلك، وبينوا أن القولَ بوضعها أو كذبها قولٌ مهجورٌ مُطَّرحٌ؛ لا يساعده نقل ولايَدُلُّ له عقلٌ: قال الحافظ الفقيه محب الدين الطبري “ت: 694هـ” فيما نقله الحافظ سراج الدين بن المُلَقِّن في “البدر المنير”:”لم يكن له أن يذكر هذا الحديث في الموضوعات فقد خرَّجه الحفاظ، وله مثل هذا كثير عفا الله عنه، وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه كان يواظب على فعلها بعد الزوال في كل جمعة، قال العلماء: وإذا عمل الصحاب بحديث دل على قوته، ولا التفات إلى قول مَن زهَّد فيها، وقد رُوِيَ عن أب داود أنه قال: عَرضتُ السُّننَ بعد فراغها على أحمد بن حنبل فارتضاها ولم ينكر منها شيئًا، وصلاة التسبيح مُثبَتةٌ فيها، وشيوخُ الحديث قد ينقلون الحديث من طريق صحيحة، ثم من طريق ضعيفة فيطلقون عدم الصحة، ويريدون ما نقل بالطريق الضعيف، وجمهور الفقهاء لم يمنعوا صلاة التسبيح مع اختلافهم في المنع من تطويل الاعتدال”. اه.

وقال الحافظ ابن الملقن في “البدر المنير”: “وذِكْرُه لهذا الحديث في “موضوعاته” من الغلو، وله في هذا الكتاب أشياء تساهل في دعوى وضعها، وحقها أن تذكر في الأحاديث الضعيفة بل بعضها حسن أو صحيح. وقد أنكر غيرُ واحدٍ عليه فعلَه في هذا التصنيف”. اه.

وقال العلامة اللكنوي في “الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة”: “اشتبه على بعض المتقدمين فظن أحاديثها موضوعة، ومنهم ابن الجوزي وابن تيمية وقلدهما في عصرنا هذا من قلدهما ممن يظن أن جملة أقوال ابن تيمية كالوحي النازل من السماء، وإن كان رَدَّ عليه بالبراهين والبينات الساطعة جمعٌ من العلماء، ألَا وهي صلاة التسبيح الفائقة الراجحة على غيرها من التطوعات بأعلى تفوق وأثنى ترجيح” .. قال: “وقد تعقب ابنَ الجوزي جمعٌ ممِنّ جاء بعده مِن نُقّاد المحدِّثين، وبينوا أن حديث صلاة التسبيح صحيح أو حسن عند المحققين، وأن ابنَ الجوزي في ذكره الموضوعات مِن المتساهلين.

قال السيوطي في شرح سنن أب داود المسمى “بمرقاة الصعود”: أفرط ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في كتاب الموضوعات.

وقال الحافظ ابن حجر في “الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة”:

“أساء ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في الموضوعات”. اه.

وقد تتبع الحافظ ابن حجر طرق الحديث في “أمالي الأذكار” وساق كلام الأئمة في تصحيحه سلفًا وخلفًا، وخلص إلى ثبوته؛ فقال -فيما نقله عنه الحافظ السيوطي في “اللآلئ المصنوعة”: “سند هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، فكيف إذا ضُمَّ إلى رواية أب الجوزاء عن عبد الله بن عمرو التي أخرجها أبو داود! وقد حسّينها المنذريُّ”.

وممن صحَّحَ هذا الحديثَ أو حسَّنه غيرُ مَن تقدَّم: ابنُ منده وألَّف فيه كتابًا، والآجُرِّيُّ، والخطيبُ، وأبو سعد السمعاني، وأبو موسى المدينيُّ، وأبو الحسن بن المفضَّل، والمنذريُّ، وابنُ الصلاح، والنوويُّ في “تهذيب الأسماء واللغات”، والسبكيُّ، وآخرون.

وقال أبو منصور الديلميُّ في “مسند الفردوس”: صلاة التسبيح أشهرالصلوات وأصحها إسنادًا.

وروى البيهقي وغيره عن أب حامد بن الشرقي قال: كتب مسلم بن الحجاج معنى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن بشر؛ يعني حديث صلاة التسبيح، من رواية عكرمة عن ابن عباس، فسمعتُ مسلمًا يقول: لا يُروَى في هذا إسنادٌ أحسنُ من هذا.

وقال البيهقي بعد تخريجه: كان عبد الله بن المبارك يصليها وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفي ذلك تقوية للحديث المرفوع.

وأقدَمُ مَن رُوِيَ عنه: فلعله أبو الجوزاء أوس بن عبد الله البصري مِن ثقات التابعين؛ أخرجه الدارقطني بسند حسن عنه: أنه كان إذا نودي بالظهر أتى المسجد فيقول للمؤذن:

“لا تُعْجِلْني عن ركعتين”، فيصليها بين الأذان والإقامة.

وقال عبد العزيز بن أب رَوّياد -وهو أقدم من ابن المبارك:- “مَن أراد الجنة فعليه بصلاة التسبيح”.

وقال أبو عثمان الحيري الزاهد: “ما رأيت للشدائد والغموم مثل صلاة التسبيح”.

أراء الفقهاء في صلاة التسابيح:

وقد نص على استحبابها أئمةُ الطريقين مِن الشافعية: كالشيخ أب حامد، والمحاملي، والجويني، وولده إمام الحرمين، والغزالي.

والقاض حسين، والبغوي، والمتولي، وزاهر بن أحمد السرخسي، والرافعي، وتبعه في “الروضة”. اه.

ونقل الحافظ السيوطي في “اللآلئ المصنوعة” تصحيح الحديث عن جماعة من الحفاظ فقال: “وقال الحافظ صلاح الدين العلائي

في “أجوبته على الأحاديث التي انتقدها السراج القزويني على المصابيح”: حديث صلاة التسبيح حديث صحيحٌ أو حسنٌ ولا بُدَّ.

وقال الشيخ سراج الدين البُلقيني في “التدريب”: حديث صلاة التسبيح صحيح وله طرق يعضد بعضها بعضًا؛ فهي سُنةّيٌ ينبغي العمل بها.

وقال الزركشي: غلط ابن الجوزي بلا شك في إخراج حديث صلاة التسبيحفي الموضوعات .. وابن الجوزي متساهل في الحكم على الحديث بالوضع”. اه.

خلاصة القول في صلاة التسابيح:

فالحاصل أن هذه الصلاة مروية من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضًا.

وأن ذلك اعتضد بفعل كثير من السلف لها ومداومتهم عليها، وأن مجرد المخالفة في هيئة الصلاة عن الهيئة المعتادة لا يقدح في مشروعيتها كما هو الحال في كثير من الصلوات.

كالعيدين والجنازة والكسوف والخسوف والخوف.

وأن جماهير العلماء من المحدِّثين والفقهاء سلفًا وخلفًا على ثبوت حديثها، وقليل منهم ضعَّفه.

ثم من المُضَعِّفين من أجاز فعلَها ومنهم من كرهه، ولم يُنقَل عن أحد منهم القول بتحريمها أو بطلانها، فإن القول بتضعيف حديثها لا يستلزم بطلانها.

بل مِن العلماء مَن نص على جواز فعلها مع قوله بتضعيف حديثها، أما القولُ بوضع حديثها أو كَذِبهِ وأن فعلها حرام بناءً على ذلك: فهو قولٌ باطل مردودٌ على قائله.

وقد تقرر في قواعد الشريعة: أنه إنما يُنكَر المتفق عليه ولا يُنكَر المختلف فيه؛ فمن فعل هذه الصلاة وواظب عليها

خصوصًا في المواسم المباركة كليالي الجمعة وليالي العشر الأواخر من رمضان فهو على خير وسُنةٍَّ ومتابعة لسلف الأمة وخلفها، فقهائها ومحدِّثيها.

ومن لم يفعلها تقليدًا لمن ضعَّف حديثها وكره فعلها فلا حرج عليه بشرط عدم الإنكار على مَن فعَلها؛ لأنه لا إنكار في مسائل الخلاف.

والله سبحانه وتعالى أعلم

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: