جمعية مسلموا روسيا يسألون دار الإفتاء حول الصلاة خلف إمام عن طريق البث المباشر

جمعية مسلموا روسيا يسألون دار الإفتاء حول الصلاة خلف إمام عن طريق البث المباشر

تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا من مفتي موسكو، والجمعية الدينية لمسلمي روسيا وجاء فيه: اختلف المفتون بروسيا في مسألة صلاة الجمعة في البيت على الهواء لما يكون الإمام بالمسجد والمسلم يصلي وراءه عن طريق البث المباشر من البيت، وهل تنعقد صلاة الجماعة وتجزئ عن الصلاة عن بعد؛ مثل التعليم عن بعد؟ ولذلك نتوجه إلى فضيلتكم برجاء توضيح هذه الأمور وإرسال الجواب لنا بالخطاب الرسمي في أسرع وقت ممكن.

وأجاب الدكتور شوقي إبراهيم علام صلاة الجمعة خلف البث المباشر في المذياع أو التلفاز أو غيرهما لا يتحقق فيه معنى الاجتماع الحقيقي الذي من أجله شرعت صلاة الجمعة بإجماع العلماء؛ وهو: اجتماعُ جمعٍ في مكانٍ واحدٍ عرفًا، كما أنه مخالف لما اتفق الفقهاء على اشتراطه في الاقتداء بإمام الجمعة؛ من اتصال الصفوف حقيقةً أو حكمًا، واتحاد المكان حقيقةً أو عرفًا، مع إمكان متابعة المأموم لتنقلات الإمام بسماعٍ أو رؤية، حتى إن العلماء اشترطوا الحضور المكاني لخطبة الجمعة ولو لم يحصل سماع؛ فدلّ على أن المعتبرَ هو الحضورُ لا مجرد السماع؛ فلا يُكتَفَى بالسماع عن الحضور.

وأضاف، إنما يمكن الاكتفاء بالحضور عن السماع، كما أنهم اشترطوا في الصلاة خارج المسجد: اتصال الصفوف حتى لو كان المأموم يرى الإمام، والذي يصلي في البيت خلف المذياع أو التلفاز أو نحوهما: لا يُعَدُّ حاضرًا لها حضورًا حقيقيًّا أو حكميًّا؛ لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف، بل هو منقطعٌ عن المسجد وعن الإمام والمأمومين، ولا اتصال بينه وبين الصفوف بأيّ وجهٍ من وجوه الاتصال.

 

وقال إمام الحرمين الجويني في “نهاية المطلب” (2/ 559، ط. دار المنهاج): [والُجُمعَةُ شُرعت لجَمْع الجماعات، والغرض منها: إقامة هذا الشعار في اجتماع الجماعات] اهـ.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي -فيما نقله القاري في “مرقاة المفاتيح” (3/ 860، ط. دار الفكر)- في شرح حديث أبي داود عن عائشة رضى الله عنها: “صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة”: [ليس في الحديث دليل لما قاله عطاء وغيره أن الشرط في صحة القدوة بشخصٍ: علمُه بانتقالاته لا غير، أما أولا: فإنه لو اكتُفِيَ بذلك لبطل السعيُ المأمور به والدعاءُ إلى الجماعة، وكان كلُّ أحدٍ يُصلي في بيته وسوقه بصلاة الإمام في المسجد، وهو خلاف الكتاب والسنة، فاشتراط اتحاد موقف الإمام والمأموم -على ما فُصِّل في الفروع-: لأنه من مقاصد الاقتداء: اجتماعُ جمعٍ في مكانٍ واحدٍ عرفًا، كما عُهد عليه الجماعاتُ في العصور الخالية، ومبنى العبادات: على رعاية الاتباع] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في “مغني المحتاج” (1/ 494-495، ط. دار الكتب العلمية): [والشرط الثالث من شروط الاقتداء: أن يُعَدَّا مجتمعَيْنِ ليظهر الشِّعارُ والتوادُّ والتعاضد؛ إذ لو اكتُفِيَ بالعلم بالانتقالات فقط كما قاله عطاء: لبطل السعي المأمور به والدعاء إلى الجماعة، وكان كل أحد يصلي في سوقه أو بيته بصلاة الإمام في المسجد إذا علم بانتقالاته] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في “الإنصاف” (2/ 364، ط. دار إحياء التراث العربي): [سُمِّيَتْ “جمعة” لجمعها الخلقَ الكثير، قدمه المجد، وابن رزين، وغيرهما، وقال ابن عقيل في “الفصول”: إنما سميت جمعة لجمعها الجماعات، قدمه في “المستوعب”، و”مجمع البحرين”، و”الحاويين”، وهو قريب من الأول] اهـ.
ويحصلُ معنى الاجتماع المجمَعِ على اشتراطه في صلاة الجمعة: باتصال الصفوف بين المصلين -وقد يكون حقيقيًّا أو حُكميًّا؛ فمناط الاتصال: بحسبه في كل حال-، وباتحاد المكان بين الإمام والمأمونين -حقيقةً أو عرفًا-، وبإمكان متابعة المأموم لتنقلات الإمام -بسماعٍ أو رؤيةٍ-.

وقد اختلف العلماء في تحقق معنى الاجتماع في بعض الأحوال؛ كما لو فصل طريق أو نهر أو جدار، أو زادت المسافة، أو حصل السماع دون مشاهدة، أو كان المأموم في سطح أو منزل أو مسجد ملاصق للمسجد، أو كانت أبواب المسجد مغلقة مصمتة، أو مغلقة مشبكة، أو مسمَّرةً، ونحو ذلك؛ بناءً على اختلافهم في تحقيق مناط الاتصال، واتحاد المكان، وإمكان المتابعة، في هذه الأحوال؛ فلا اختلاف في اشتراط الاجتماع، وإنما الخلاف في تحقيق مناط حصوله في بعض الأحوال:

قال الإمام الجصاص الحنفي في “شرح مختصر الطحاوي” (2/ 72، ط. دار البشائر): [مسألة (اتحاد مكان صلاة الإمام والمأموم باتصال الصفوف).. فإن الصفوف إذا كانت متصلة، ولم يكن هناك حاجز بينهم وبين الإمام من الطريق، فكأنهم معه في المسجد، وإذا لم تكن الصفوف متصلة: لم تجز صلاةُ مَن كان بينه وبين الإمام طريقٌ] اهـ.

وقال الإمام السرخسي الحنفي في “المبسوط” (2/ 35، ط. دار المعرفة): [ومن صلى الجمعة في الطاقات أو في السدة أو في دار الصيارفة: أجزأه إذا كانت الصفوف متصلة؛ لأن اتصال الصفوف يجعل هذا الموضع في حكم المسجد في صحة الاقتداء بالإمام] اهـ.
وقال العلامة الكاساني الحنفي في “بدائع الصنائع” (1/ 145): [ومنها: اتحاد مكان الإمام والمأموم، ولأنَّ الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة؛ فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها؛ ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإمام على المقتدي فتتعذر عليه المتابعة التي هي معنى الاقتداء؛ حتى إنه لو كان بينهما طريق عام يمر فيه الناس أو نهر عظيم: لا يصح الاقتداء؛ لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفًا مع اختلافهما حقيقةً؛ فيمنع صحة الاقتداء] اهـ.

وقال العلَّامة الشرنبلالي الحنفي في “مراقي الفلاح” (ص: 111، ط. المكتبة العصرية):
[الاقتداء في الأماكن المتصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه صحيح إذا لم يشتبه حال الإمام عليهم بسماع أو رؤية ولم يتخلل إلا الجدار؛ كما ذكره شمس الأئمة فيمن صلى على سطح بيته المتصل بالمسجد أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتديًا بإمامٍ في المسجد وهو يسمع التكبير من الإمام أو من المكبر: تجوز صلاته] اهـ.

وقال العلَّامة عليش المالكي في “منح الجليل” (1/ 375، ط. دار الفكر): [(و) جاز (فصل مأموم) عن إمامه (بنهرٍ صغير) أي: غير مانع من سماع أقوال الإمام، أو مأموميه، أو رؤية أفعاله، أو أفعال مأموميه] اهـ.

وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني الشافعي في “نهاية المطلب” (2/ 401-402): [فأما المسجد: فإذا تقدم الإمام وتأخر المقتدي، لم يضر بُعد المسافة -وإن أفرط- إذا كان المسجد واحدًا، وكذلك لا يضر اختلافُ المواقف ارتفاعًا وانخفاضًا، حتى لو وقف الإمام في المحراب والمقتدي على منارةٍ من المسجد، أو بئر، وكان لا يخفى عليه انتقالات الإمام، فالقدوة صحيحة؛ وذلك أن المكان مبنيٌّ لجمع الجماعات، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الصلاة، فلا يؤثر البعد في المسافة، وهذا متفق عليه.

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: