شيخ الأزهر يوضح نشأة التصوف وتطوره بين القديم والحديث بالتفصيل

شيخ الأزهر يوضح نشأة التصوف وتطوره بين القديم والحديث بالتفصيل

شيخ الأزهر يوضح نشأة التصوف وتطوره بين القديم والحديث

التصوف قي القديم والحديث
للإمام محمد الخضر حسين، شيخ الجامع الأزهر

كنا أساتذة العالم علماً وسياسة وأدباً، قلمنا يكتب فيطاع، وحسامنا ينتضى فيهاب، ورايتنا تخفق فيجري من تحتها عدل وسلام.
أخذتنا بعد تلك اليقظة غفوة، وبعد تلك العظمة خمول، فلم ننتبه إلا والدهر يضربنا بسوط من عذاب الهون، ويبسط علينا أيدياً كالحجارة أو أشد قسوة.
لا نيأس من أن نعود كما ولدتنا أمهاتنا أحراراً، ولا نيأس من أن نبني كما بنى أسلافنا مجداً وسيادة.
فليست هذه الغاية ببعيدة المنال، وما بيننا وبينها إلا أن نحسن العمل، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين.
نحن في وقعة نريد أن ننهض من كبوتها، نحن في تباطؤ نريد أن نتبدل به حزماً ونشاطاً، نحن في تقاطع نريد أن نضع مكانه اتحاداً.
نحن في لهو نريد أن نستعيض به جِدّاً، نحن في بلاء نريد أن نخرج منه إلى سعادة، نحن في نار حامية نريد أن نطفئها، ونعيش في جنّة من الكرامة عالية.
فحقيق علينا أن نقلب أنظارنا في كل ناحية من نواحي حياتنا، وأن نتدبر في كل شأن من شؤوننا، حتى إذا رأينا خللاً، أصلحناه، أو رأينا عوجاً، قوّمناه.
لا نبتغي بذلك الإصلاح والتقويم إلا أن نكون خير أمة تمثل الشهامة والحكمة والكمال.
وعلى هذا القصد أتقدم إلى حضراتكم بكلمة أبحث فيها عن التصوف.
فإن الطرق المنتمية إلى الصوفية باسطة أجنحتها في الشرق والغرب.
وأملنا معقود بأن نرى رجالها يقتدون بسيرة الصدر الأول من الصحابة والتابعين.
ذلك العهد الذي ظهر فيه الإسلام بحقائقه النقية، وأصوله المحكمة، والعهد الذي ظهرت به أمة الإسلام في أسنى مظهر من العزة والرحمة والسلطان الكريم.

Table of Contents

* نشأة التصوف:
إن الإسلام دين ينظم شؤون هذه الحياة؛ كما يرشد إلى سبيل السعادة في تلك الحياة.
وهو الدين الذي عني بتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية، ثم عطف على الأجسام.
فخلّى سبيلها لأن تتمتع من نعيم هذه الحياة وزهرتها إلا أن تطغى، فبقدر ما يدرك الإنسان من صفاء النفس، وسلامة الضمير، وبقدر ما يكون له من السلطان على شهواته.
فلا تتعدى حدود الاعتدال، يصعد في مراقي الفلاح، ويدنو من مقام الكرامة والوجاهة عند الله.
واجتماع الروح والبدن في رضا الله، هو ما يعمل له أولو الألباب من الناس.
وقد رسم الإسلام للعمل في هذا السبيل خططاً، من انحرف عنها، أو تجاوز حدها، كان إلى الخسران أقرب منه إلى النجاح.
روي أن فريقاً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اجتمعوا، وقرروا فيما بينهم أن يسردوا (يتابعوا) الصيام، ويعكفوا على العبادة، ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، فبلغ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمرهم، فنهاهم في خطبة جامعة، وأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87].
كان أصحاب رسول الله يجدُّون في العمل الصالح ما استطاعوا، ويزهدون في الدنيا زهْد من لا يتناول منها إلا حلالاً طيباً، وزهْدَ من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
وزهْدَ من يعاف أن تكون يده السفلى، ويد غيره العليا، وهم في هذا السبيل يتسابقون ويتفاضلون، وقد اشتهر كثير منهم بالجد في العبادة، والبلوغ في الزهد مكانة فضلى، ومن هذه الطائفة: أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
أما أبو ذر، فكان يعظ عمّال عثمان – رضي الله عنه – حينما يراهم يتسعون في المراكب والملابس، فيتلو عليهم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
وكان يملأ آذانهم تقريعاً، ويدعوهم، ويشتد في دعوته إلى أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم في سبيل الخير، وهذا أمر يطيقه الخاصة، ولا يحتمله كل إنسان.
فأنهى معاوية أمره إلى عثمان، فكتب عثمان يأمر أبا ذر بالقدوم إلى المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت، ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأدوا فريضة الزكاة على وجهها، فخرج أبو ذر إلى الربذة (مكان بقرب المدينة) زاهداً ورعاً، وترك من ورائه قوماً يضاهونه، أو يقاربونه زهداً وورعاً.
وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعاً، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكاً بمثل قول النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه البخاري: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده”. ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه: “أما بعد: فقد كتبت إلي أن الله رزقك مالاً وولداً، اعلم أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك. وكتبت إليّ: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله”.
هكذا كانت سيرة الزهاد من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وهكذا مواعظهم: أعمال مشروعة خالصة، وأقوال رشيدة واضحة.
ومما حدث في عهدهم: أن أناساً لم يدركوا زمن النبوة يسمع أحدهم الآية، فيخرُّ كأنه مغشي عليه، فكان الصحابة الأكرمون لا يرضون عمن هذا شأنه، ويقابلونه بتعجب وإنكار.

مرّ عبد الله بن عمر برجل ساقط، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن، يصيبه هذا، فقال: إنا لنخشى الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وما نسقط.
وقال حصين بن عبد الرحمن: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله، تدمع عيونهم، وتقشعر جلودهم، فقلت لها: هاهنا رجال إذا قرئ على أحدهم القرآن، غشي عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت إلى أبي يوماً، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواماً ما رأيت خيراً منهم، يذكرون الله، فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله، فقعدت معهم. فقال لي: رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر يتلون القرآن، ولا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشعَ لله من أبي بكر وعمر؟ قال: فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.

رحم الله أصحاب رسوله الكريم، لم يعدوا في كمال معرفة الله، أو في كمال خشيته أن يسمع الرجل القرآن، فيقع مغشياً عليه، إنهم كانوا على بصائر مشرقة، وأحلام راجحة، يعرفون كيف يتقربون إلى الله زلفى، وكيف يتدبرون آياته بسكينة وحسن سمت، تمتلئ له أعين الناظرين مهابة وإجلالاً.
وفي عهد التابعين أقبلت طائفة من فضلائهم يتحدثون في أحوال النفس؛ من حيث صفاؤها، وصلتها بالخالق، وزهدها في زخرف هذه الحياة، واشتدت عنايتهم بالحديث في هذه الآداب، وكانوا يأخذون بها أنفسهم، ويرشدون إليها غيرهم، ويلقبون لذلك العهد: الزهاد، والوعاظ.
ومن أشهر هذه الطائفة: الحسن البصري، وكان صاحب حديث وفقه، وبيان وعلم بالقرآن، فصحبه طوائف من الناس شتى، فمنهم من صحبه ليأخذ عنه الحديث والأخبار، ومنهم من صحبه ليستفيد منه البلاغة والبيان وعلم القرآن، ومنهم من صحبه ليتلقى عنه الفقه والأحكام، وهو-مع هذا- يتكلم في محاسبة النفس، والمراقبة، والأخلاق، والمحبة، واليقين، والاستهتار بذكر الله، وكان يعقد للحديث في هذا السبيل مجلساً في منزله، لا يشهده إلا طائفة يتوسم فيهم الكفاية لأن يفهموا، والقوة على أن يعملوا، وكان لا يتحدث في هذا المجلس إلا في هذا الباب من العلم.
قال أبو سعيد بن الأعرابى: لم يبلغنا أن أحداً ممن تكلم في هذه المذاهب (يعني: أحوال النفس)، ودعا إليها، وزاد في بيانها وترتيبها وصفات أهلها، مثل الحسن بن يسار البصري.

كان هؤلاء الفضلاء يصرفون هممهم إلى تزكية النفوس من نقائصها، وإسلام القلوب إلى ربها، يشهد بهذا كلمهم الطيب، ومواعظهم الحسنة.
ومن مواعظ الحسن البصري: حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور، واردعوا هذه النفوس؛ فإنها طلعة تنزع إلى الشر عادة.
وعلى هذا الطراز يقول عامر بن قيس أحد زهاد التابعين: لقد أحببت الله حباً سهّل علي كل مصيبة، ورضّاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي له ما أصبحت عليه، وما أمسيت.
وأخذ بعض الناس في عهد التابعين ينحو نحو الغلو في الزهد، وكان الحسن البصري نفسه ممن يحارب هذا الغلو الذي لا يرتضيه الإسلام، ومما نقرؤه في تاريخ هؤلاء: أن رجلاً قال: أنا لا آكل الخبيص (نوع من الحلواء معمول من التمر والسمن.)؛ لأني لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!.

فزهد الحسن البصري وأمثاله من فضلاء التابعين، لا يحيد عن منهج الشريعة يميناً ولا يساراً.

 

شيخ الأزهر يوضح نشأة التصوف وتطوره بين القديم والحديث
شيخ الأزهر يوضح نشأة التصوف وتطوره بين القديم والحديث

وتخرج في مجالس الحسن البصري وغيره طبقة عالمة زاكية، منهم: مالك بن دينار، وحبيب العجمي، وعبد الواحد بن زيد، وبقي هؤلاء الذين يلقبون الزهاد والوعاظ لا يمتازون عن جمهور الناس إلا بكثرة ما يعملون من صالح، وبشدة ما يحملون من خشية الله، والعزة به، والاعتماد عليه، وبانصراف هممهم عن التعلق بما في هذه الحياة من شهوات أو حطام.

وفي خلال النصف الأول من القرن الثاني صار الزهاد والوعاظ يسمّون بالصوفية، وأول من دعي بهذا الاسم: أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150 هـ، وقد اختلف الناس في مأخذ هذا اللقب، فزعم بعضهم أنه مأخوذ من الصفّة؛ لشبه هؤلاء الزهاد بأهل الصفَّة، وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون بمسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عابدين متعففين، لا يفارقونه إلا لجهاد عدو، وهذا الوجه لا يوافق قاعدة النسب في اللغة؛ فإنها تقتضي أن يقال في النسب إلى صفّة: صُفّية، لا صوفية.

وذهب ابن الجوزي وآخرون إلى أن الصوفية نسبة إلى صوفة؛ تشبيهاً لهؤلاء الزهاد بآل صوفة، وهم قوم كانوأ يخدمون الكعبة في الجاهلية، ويتنسكون. والأقرب أنهم تسموا بالصوفية لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف؛ تجنباً للبس الفاخر من الثياب.
أخذ الزهاد والوعاظ لقب الصوفية، وما برحت طريقتهم قائمة على قواعد الدين ورعاية آدابه، إلا نفراً كانوا يتشبهون بهم على جهالة، فيغرقون في الزهد، أو يَظهرون للناس بغير ما كانوا يسرون، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي:
ودع الذين إذا أتوك تنسكوا … وإذا خلوا فهم ذئاب خفاف

وجعل الصوفية يتحدثون عما يرد عليهم من الخواطر، وما يجدونه من الأذواق، ويعبرون عن هذه الخواطر والأذواق بكلمات إما مألوفة، وإما غير مألوفة، حتى أصبح التصوف في القرن الثالث مذهباً ذا قواعد واصطلاحات، وزاد بما دخله من الاصطلاحات على المقدار الذي يستطيع أن يفهمه المفسّرون والمحدّثون من موارد الكتاب والسنة.

* ماذا حدث في التصوف بعد عهد الصحابة والتابعين:
يصف لنا التاريخ صوفية القرن الثالث، فنرى كثيراً منهم على مثال الحسن البصري، وسلمان الفارسي، منهم: أبو القاسم الجنيد الذي كان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. ونرى بجانبهم قوماً آخرين خلطوا التصوف بشيء من أصول الفلسفة الإشراقية، وكسوه لوناً من الزهد الفارسي، فأخذ هذا التصوف هيئة غير الهيئة التي عرف بها الزهاد والوعاظ في صدور الإسلام، وشاع يومئذ الغلو في الزهد، وراج ما توهموه في معنى التوكل من أنه نزع اليد من الأسباب جملة، ذلك التوهم الذي حاربه النبي – صلى الله عليه وسلم – بأقواله وأفعاله، قبل أن يحاربه العلماء فيما حاربوا من آراء ساقطة، وأوهام قاتلة.
ومما حدث في مذهب الصوفية: الأناشيد التي يسمونها: الزهديات؛ كقول بعضهم:
يا غادياً في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفاً … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجباً منك وأنت مبصرٌ … كيف تجنبت الطريق الواضحا
قال أبو حامد الخلفاني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبدالله! هذه القصائد الرقائق التي في ذكر الجنة والنار، أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون:
إذاما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
فقال: أعد، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته، ورد الباب، فسمعت نحييه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
وليس في مثل هذه الأناشيد من بأس، فقد يكون فيها تذكرة لبعض النفوس الغافلة، وإنما تدخل في قبيل اللهو إذا كانت توضع في ألحان الغناء، حتى تكون اللذة في طيب أنغامها، لا فيما احتوته من حكمة أو موعظة.
أما السماع الذي تنكره على المتصوفة، فهي الأناشيد التي تحوي من وصف الغزل ما نسمعه في شعر عمر بن أبي ربيعة، أو تحوي من وصف الخمر مثل ما نسمعه في شعر أبي نواس، وحاشا لفضلاء الصوفية أن يكونوا قد شهدوا هذا النوع من السماع، وهم يحسبون أنهم في طاعة.
واتصل بالتصوف بعض بدع عملية؛ كالرقص في حال الذكر، وكاستعمال الآلات المطربة في المساجد.
قال أبو حامد الغزالي يصف المتصوفة في عصره: متصوفة أهل هذا الزمان – إلا من عصمه الله – اغتروا بالزي والمنطق والهيئة من السماع والرقص، ولم يتعبوا أنفسهم في المجاهدة والرياضة.
وقال القرطبي في “تفسيره” منكراً على أدعياء الصوفية: وما الإسلام إلا كتاب الله، وسنة رسول الله، وأما القضيب، فأول من اتخذه الزنادقة، يشغلون به المسلمين عن كتاب الله، فينبغي للسلطان أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ويعينهم على باطلهم.
وأمثال هؤلاء المتصوفة هم الذين أفتى الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني بتفسيقهم، وبطلان صلاة من يقتدي بهم.
وظهر من ناحية الصوفية تأويل بعض الآيات والأحاديث على وجوه توافق أذواقهم ومواجيدهم، وإذا كان الفضلاء منهم لم يبعدوا في هذا المسلك عما يحتمله اللفظ العربي، فقد تهافت عليه نفر لم يقفوا فيه عند حد، وارتكبوا من التأويل ما يتبرأ منه العقل واللغة، وتنكره الشريعة إنكاراً مغلظاً، ويكفي في عدم صحة هذا النوع من التفسير: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين تفسير للقراَن بما يماثله أو يدانيه.
قال الإمام النسفي: النصوص تحمل على ظواهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد.
وقال ابن الصلاح: صنف السلمي حقائق التفسير، إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر.
وإذا أساء قوم تأويل القرآن على جهالة، فلا ننسى أن طائفة من الزنادقة اتخذوا هذا المسلك في التفسير ذريعة إلى قضاء بعض ما في نفوسهم؛ ليحرفوا كلم الله عن مواضعه، ومن المدبرين لهذه المكيدة: الطائفة التي يسمونها: الباطنية ( سمّوا بذلك لأنهم قالوا: إن للقرآن ظاهراً وباطناً، والمراد باطنه)، وأصل دعوتهم: “أن طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، وذلك أنهم اجتمعوا، فتذاكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم، واستيلائهم على الممالك، لكنا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج الضعفاء منهم؛ فإن ذلك يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم”.
وقبل بعض أهل العلم المعاني التي يذكرها بعض الصوفية للآية أو الحديث، ولا تسعها اللغة، وهي في نفسها صحيحة، وحملها على أنها من باب الإشارة والاعتبار، لا على أنها تفسير يدل عليه اللفظ، بوجه من وجوه دلائله المقررة في علوم العربية، وهذا ما يقوله بعض من يتكلم في الآيات بلسان التصوف، ولهذا كانوا يلقبون أصحاب الإشارات.
وقد خالف هؤلاء القوم أبو بكر العربي في كتاب “العواصم من القواصم”، وأنكر أن تكون هذه المعاني مأخوذة من القرآن، ولو بطريق الإشارة؛ بحجة أن في أقوال الشريعة من الحكمة والموعظة ما لا يحتاج معه إلى مثل هذا الضرب من الإشارة والاعتبار.
وبلي التصوف في أثناء القرن الثالث بنفر اتخذوه مظهر آراء لا يقبلها الإسلام في حال، فكان من المنتسبين إليه من يذهب إلى القول بوحدة الوجود،
ويقول: ما ثمّ وجود قديم خالق، ووجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله.
وحدثت لذلك العهد مقالة الحلول؛ أي: إن الله يحل في بعض مخلوقاته. ومما جرى على هذا: قول أبي الحسين الحلاّج: “ما في الجبّة إلّا الله”. ومن أجل هذه المقالة أفتى الفقهاء والصوفية المستقيمون بخروجه عن الإسلام، وقتل في خلافة المقتدر سنة 301 هـ.
اتخذ الزنادقة أمثال هذه الآراء الزائغة ذريعة إلى أن يفسدوا على الناس أمر دينهم، ومن أثر هذه الغواية: قول بعضهم زاعماً أن الموحّد والمشرك في العبادة سواء:
وإن خرّ للأحجار في البيد عاكفٌ … فلا تعد بالإنكار بالعصبيةِ
وإن عبد النار المجوس وما انطفت … كما جاء في الأخبار من ألف حجتي
فما عبدوا غيري وما كان قصدهم … سواي وإن لم يظهروا عقد نيتي
قال السعد التفتزاني: الحلول والاتحاد مستحيلان على الله، والمخالفون في هذا منهم نصارى، ومنهم منتمون إلى الإسلام، ثم قال: ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك، وخاض لجة الوصول، فربما يحل الله تعالى فيه كالنار في الفحم، بحيث لا يتمايز به، ويتحد بحيث لا اثنينية ولا تغاير، وصح أن يقول: هو أنا، وأنا هو، وحينئذ يرتفع الأمر والنهي.
ومن أهل العلم من يحسن الظن برجال ينعتون بالصلاح، ويؤثر عنهم مقالات تنطق أو تحوم حول الحلول والاتحاد، فيذهب بها مذهب التأويل، ويخرج بها إلى وجوه تخلصها من ورطة هذه العقيدة المنكرة، ولا أطيل الحديث عن هذه الوجوه الغامضة، والمعاني غير المألوفة، فإنكم تجدونها مبسوطة في كتب التصوف، وبعض المؤلفات في علم الكلام.
وممن ذهب في مثل هذه المقالات مذهباً وسطاً: ولي الدين العراقي؛ حيث قال في كتابه “الأجوبة المرضية”: “أما ابن العربي، فلا شك في اشتمال “الفصوص” المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك “فتوحاته المكية”، وينبغي عندي أن لا يحكم على ابن العربي في نفسه بشيء؛ فإني لست على يقين من صدور هذا الكلام منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكنا نحكم على هذا الكلام بأنه كفر”.
لبس الزنادقة لباس الزهاد والوعاظ، وحاربوا الإسلام من طريق التأويل، وحاربوه من طريق ما يسميه الصوفية: حالاً وذوقاً، وبالغوا في الاعتماد عليه حتى جعلوه من قبيل دلائل الشريعة، وهذا ما يرده ابن السبكي في قوله: “مسألة الإلهام ليس بحجة”. بل طغى بهم العبث أن جعلوا دلالة الذوق فوق دلالة النصوص، وقالوا: إذا تعارض الأمر والذوق، قدمنا الذوق على الأمر، ومما يقوله بعض هؤلاء المضلّين:
يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني … والوجد أصدق نهّاء وأمّارِ
فإن أُطعك وأعصي الوجد رحت عم … عن اليقين إلى أوهام أخبار
وبنوا على هذا الزعم: أن الصوفي يتلقى أحكاماً سماوية من غير هذه الشريعة، وقالوا: إن الصوفية أباحت لهم أشياء هي محظورة على غيرهم، وتوسّلوا بهذا إلى أنْ أدخلوا في الإسلام صوراً من الباطل غير قليلة.

ويتصل بهذا الذي يصنعه الخاطئون قولهم: إن الولي إذا بلغ في القرب من الله منزلة عليا، سقطت عنه التكاليف جملة، وقالوا: إن التكليف خاص بالعوام، ساقط عن الخواص، وتوكأ على هذه المقالة المبتدعة كئيرٌ من أولي الأهواء، يقعدون مقاعد الصوفية، ثم لا يبالون أن يضيعوا الصلاة، ويتبعوا الشهوات، على مرأى ومسمع من جماعات يعتقدون إخلاصهم، ومن الكلمات المصنوعة على هذا المنوال قول بعضهم وقد دعي إلى الصلاة:

يُطالب بالأوراد من كان غافلاً … فكيف بقلب كل أوقاته وِرْدُ

وقيل لآخر من هذه الفئة: ألا تصلي؟ فقال: “وأنتم مع أورادكم، ونحن مع وارداتنا”.
وليس بالبعيد أن هذه المقالات الخاطئة يعزوها إلى من عرف بالصلاح بعض أعدائه؛ ليحط من قدره، ويلوث سمعته، أو يضيفها إليه بعض أولي الضلال؛ ليتلقاها العامة بقبول وتقليد، وعلى أي حال كانت، لا تجد منا إلا أن نحذرها، ونغلق باب القبول دونها، ولكن أمر من اصطنعها إلى الجزاء العادل يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ومما حدث بعد عهد السلف ما يسمونه: تسليط الهمة.
قال أبو إسحاق الشاطبي: “تسليط الهمم على الأشياء حتى تنفعل، فذلك غير ثابت النقل، ولا تجد له أصلاً، بل أصل ذلك حال حِكَميّ، وتدبير فلسفي لا شرعي”.
والذي يوافق عقيدة الإسلام: أن يقلب الرجل الصالح وجهه إلى السماء، فيدعو على من ظلم، فيستجيب الله دعاءه إن شاء.
* خلاصة البحث:
وخلاصة البحث: أن التصوف نشأ طاهراً نقياً، فلبسه قوم على جهالة، وابتغاه آخرون ليقضوا به مأرباً، أولئك يحدثون فيه بدعاً، وهؤلاء يدسون فيه أقوالاً غاوية، وقد وقف العلماء تجاه هذا كله موقف من لا تأخذه في الله لومة لائم، فكانوا يضعون أقوال الصوفية وأعمالهم على محك النظر، ويزنونها بميزان الشريعة، فيتركون المستقيمين منهم في زهدهم وانقطاعهم إلى عبادة ربهم، ويضربون بما وجدوه من ضلالات أو بدع في وجوه مبتدعيها.
وإنما بقي التصوف ملوثاً بما تلوث به من بدع عملية وأخرى اعتقادية، مع مناهضة العلماء لهذه البدع، ومدافعتهم لها بالحجة، وكشفهم عما تحتها من سرائر، بقي كذلك؛ لأن أصحاب هذه البدع كانوا يبثون آراءهم بين أيدي السذج من الناس، والسذج والجهال من الناس ليسوا بقليل.
ومما استمدت منه هذه البدع بقاءها: أن بعض المنتمين إلى علوم الشريعة لا يستطيعون أن يفصلوا للوقائع والأقوال أحكاماً موزونة، فكانوا يقفون أمام بدع المتصوفة أو غلطاتهم موقف الحائر في أمرها، أو الجانح إلى مسالمة أهلها.

* الطرق الصوفية في الوقت الحاضر:
نحن نعرف أن في زعماء هذه الطرق رجال علم وفضل، ولا ننكر ما يقوم به هؤلاء الفضلاء من إرشاد وتعليم، ومعرفتنا لهؤلاء الرجال المستقيمين، لا تمنعنا من أن نلقي على الطرق الصوفية نظرة نبتغي بها أن نكون على بينة من شؤوننا الاجتماعية، وأن تكون هذه الشؤون في نظام وصفاء، ولا سيما شأن يلبس على أنه مظهر من مظاهر الدين الحنيف، فالمسألة خطرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة.

الحقيقة أنه لا يزال في بعض هذه الطرق بقية من المحدثات التي حشرت في الإسلام على جهالة، ولا يزال كثير من أصحابها يتناقلون عبارات مدسوسة في التصوف على سوء نية، ولبعض هذه الطرق مظاهر تزدريها العيون، وتمجها الأذواق، وقد يحسبها من لا يعرف الإسلام أن لها صلة بالعبادات المشروعة في الإسلام، بل في رؤساء هذه الطرق من يتخذه الملاحدة دريئة يرمون من ورائها سهاماً مسمومة، لا غرض لها إلا أن تقع في مقاتل الدين الحنيف، وفي رؤساء الطرق من لا يزال يتقرب إلى الظالمين حتى يكون لسانهم الذي ينطق، وسمعهم الذي يسمع، ويصرهم الذي يرى.

فنحن نريد من علماء الطرق الصوفية أن ينظروا في هذه الطرق نظر من يعمل ابتغاء مرضاة الله، وينقدوا كل ما تحويه من تقاليد وآداب وأوراد، حتى إذا رأوا فيها ما لم يأذن به الله، طرحوه ناحية، وكان لهم في سيرة السلف من الصحابة والتابعين أسوة حسنة، فإذا لم ينقل عن السلف- مثلاً – أنهم احتفلوا في المساجد بالنفخ في المزامير، والنقر على الدفوف، أو أنهم ساروا في الشوارع يحملون الأعلام لغير جهاد، وإذا لم يرد عن السلف أنهم تحدثوا عن حضرة الخالق بعبارات موضوعة لعشق الحسان، ومعاقرة الخمور، علمنا أن هذا الصنيع كله إما لهو يشغل عن طاعة الله، أو باطل يصرف الوجه عن سبيل الله.
وإذا لم يرد في سيرة أحد من الصحابة أو التابعين أنه كان يسمي نفسه، أو يسميه غيره باسم يدل على أنه يتصرف في الكون تصرفاً غيبياً، كان الأحرى بالرئيس لأي طريق كان، أن لا يصف نفسه، ولا يسمح لأحد من أصحابه أن يصفه بما لم يوصف به صحابي جلس بين يدي أكمل الخليفة، وقضى حياته في عبادة خالصة، وسياسة عادلة، وجهاد في سبيل الله.

ندعو مشايخ الطرق الذين يؤثرون الحق على الخلق، أن يستضيئوا بسيرة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وننادي علماء الشريعة أن ينصحوا لكل من يفعل شيئاً على أنه من الدين، وما هو من الدين، وإذا طهر الله ناشئتنا من رجس الإلحاد، وحال بينهم وبين البدع الشائنة، والآراء الهازلة، فذلك اليوم الذي تكون لنا فيه أمة ذات خلق متين، ومظهر عظيم، والأمة التي تتدرع بالأخلاق المتينة، والمظاهر الحكيمة لا بد لها من أن تحيا في عزة وكرامة، ثم لا يجد الظالمون إلى السيطرة عليها من سبيل.

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: