أعظم ما كتب عن غزوة بدر … أسبابها وأحداثها ونتائجها بالتفصيل.. عيش المعركة

أعظم ما كتب عن غزوة بدر … أسبابها وأحداثها ونتائجها بالتفصيل.. عيش المعركة

Table of Contents

بَدْر

 

بدر -بفتح أَوله وسكون ثانيه- ماء من مياه العرب الشهيرة وأَسواقهم المشهورة، وقد أُطلق على هذا المكان اسم أَول من حفر بئرًا فيه وهو رجل من غفار، واسمه: بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة.

وقال الزبير بن بكار، هو قريش بن الحارث … سميت به قريش قريشًا، فغلب عليها، لأَنه كان دليلها وصاحب ميرتها، وكانوا يقولون جاءَت عبر قريش، وخرجت عبر قريش، وابنه بدر بين قريش به سميت بدر التي كانت بها الواقعة المباركة (1).

تقع بدر جنوب غرب المدينة، والمسافة بينها وبين المدينة – بطرق القوافل التي سلكها الرسول – صلى الله عليه وسلم – حوالي 160 ميلًا.

كما أَن بدرًا تقع شمالي مكة، والمسافة بينها وبين مكة – بطرق القوافل القديمة التي سلكها المشركون – حوالي 250 ميلًا.

أَما المسافة اليوم بين مكة وبدر – بطرق السيارات – فهي 343 كيلو مترًا، والمسافة بين المدينة وبدر بهذا الطريق فهي 153 كيلو مترًا.

أَما المسافة بين بدر وساحل البحر الأَحمر الواقع غربيها فهي حوالي ثلاثين كيلو مترًا.

 

 

 

* نشاط المسلمين العسكري قبل معركة بدر.

* نجاح النبي في اتصالاته السياسية بقبائل المنطقة.

* المعركة الفاصلة.

* سبب المعركة.

* خروج المسلمين لمصادرة عير قريش.

* نجاة العير، وتحركات الجيش المكي نحو بدر.

* النبي يستشير أصحابه في ملاقاة جيش مكة.

* موافقة الصحابة على خوض المعركة.

* التحام الفريقين في بدر.

* هزيمة المشركين الساحقة.

لقد كانت الظروف التي هاجر فيها الرسول هي ظروفًا حربية أَوجدها زعماء مكة أَنفسهم، عندما أَهدروا دمه وخفروا ذمته. إنها الحرب (إذن) ولا شيء سواها.

فطبيعي (إذن) أَن يعمل كل من الفريقين (مكة والمدينة) عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ضد الآخر، فاستعمال السلاح وإضعاف شوكة العدو بأَية وسيلة من الوسائل، هو من الأُمور البديهية التي لا تقبل النقاش أَو الجدل.

 

فلا يلام فريق أُعلنت عليه الحرب وصمم أَعداؤه على الفتك به أَينما وجدوه, لا يلام إذا ما تربص بهم الدوائر ورسم الخطط لخضد شوكتهم ومنع أَذاهم.

فمعركة بدر هذه التي خاضها المسلمون ضد المشركين إنما هي معركة عادلة, أملتها على المسلمين طبيعة الظروف العسكرية القائمة بينهم وبين أعدائهم.

 

النشاط العسكري قبل معركة بدر

كانت الفترة التي تلت هجرة الرسول حتى معركة بدر, حوالي تسعة عشہہر شهرًا, وفي أَثناءِ هذه الفترة لم يحدث أي عراك دامي بين مكة والمدينة، اللهم إلا ما حدث في السرية التي قادها عبد الله بن جحش (1) , والتي تلتها معركة بدر مباشرة.

 

دوريات المسلمين قبل معركة بدر

أَما بقية الحركات العسكرية فهي أَشبه بدوريات استطلاعية قام بها المسلمون للاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة، واختبار مدى قوة القبائل المحيطة بالمنطقة، ومحاولة كسب بعضها بالمحالفة أَو الموادعة, (على الأقل) كما كان الهدف منها أَيضًا إشعار المشركين واليهود بقوة المسلمين على صد أَي اعتداءٍ يتعرضون له. ويمكن تلخيص هذه الدوريات, أَو السرايا التي قام بها المسلمون قبل معركة بدر كمہايلي:

__________

(1) هو عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي حليف بني عبد شمس, هاجر الهجرتين, وكان أول أمير عقدت له راية الإسلام, قتل شهيدًا يوم أحد.

 

1 – دورية قتال بقيادة حمزة بن عبد المطلب، قوامها ثلاثون راكبًا من المهاجرين. التقت هذه الدورية بقافلة تجارية لقريش يحميها ثلاثمائة مقاتل من قريش بقيادة أَبي جهل بن هشام.، وذلك في ساحل البحر ناحية العيص (1) في شهر رمضان من السنة الأُولى للهجرة, ولم يحدث قتال بين الفريقين لتدخل مجدي بن عمرو الجهني الذي قام بدور حمامة سلام فحجز بينهما.

2 – دورية قتال بقوة ستين راكبًا قادها عبيد بن الحارث إلى وادي رابغ, وذلك في شهر شوال من السنة الأُولى للهجرة, وكأن هدف الدورية تهديد تجارة قريش، وقد التقت هذه الدورية بأكثر من مائتي مقاتل من قريش بقيادة أَبي سفيان، إلا أَنه لم يحدث أَي قتال بين الفريقين.

وفي هذه الغزوة انضم رجلان من جيش مكة إلى دورية عبيد بن الحارث، والرجلان هما المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان وقد كانا مسلمين خرج في جيش مكة.

3 – دورية استطلاعية قوامها ثمانية من المهاجرين بقيادة سعد بن أَبي وقاص، وصلت إلى الخرار (2) لتهديد طريق قريش التجارية بين مكة والشام, ولكن هذه الدورية لم تشتبك في أَي قتال مع العدو, وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الأُولى للهجرة.

4 – غزوة ودان (3)، وهي دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها

__________

(1) العيص – بالكسر – مكان بين ينبع والمروة ناحية البحر.

(2) الحرار -بفتح أوله وتشديد ثانيه- مكان في الحجاز بالقرب من الجحفة.

(3) ودان، موضع بين مكة والمدينة, بينه وبين رابغ مما يلي المدينة تسعة وعشرون ميلا.

 

الرسول – صلى الله عليه وسلم – بنفسه إلى منطقة ودان وذلك في صفر من السنة الثانية للهجرة، وعاد دون أن يلقى حربًا إلا أَنه عقد معاهدة عدم اعتداء مع قبائل بني ضمرة بن بكر بن كنانة.

5 – غزوة بواط (1) وهي دورية قتال قادها الرسول – صلى الله عليه وسلم – بنفسه إلى منطقة بواط على الطريق المؤدي من الشام إلى مكة، وذلك في ربيع الأَول من السنة الثانية للهجرة، وكان هدف هذه الدورية الإيقاع بقافلة لقريش ولكن القافلة نجت وعاد النبي دون أَن يلقى حربًا، وكان قوام هذه الدورية مائتا راكب.

6 – غزوة العشيرة (2)، دورية قتال قوامها مائتا مقاتل، قادها الرسول – صلى الله عليه وسلم – بنفسه إلى موضع (العشيرة) بمنطقة ينبع (3) لتهديد تجارة قريش، وعاد الرسول دون أَن يلقى حربًا، لتملص قافلة قريش من المرور في تلك المنطقة، إلا أَن النبي عقد (أَثناء هذه الغزوة) معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج (4) وحلفائهم من بني ضمرة وذلك في جمادى الأُولى من السنة الثانية للهجرة.

7 – غزوة بدر الأُولى: دورية قتال قوتها مائتا مقاتل، قادها الرسول بنفسه وذلك في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة، طارد بها قوات خفيفة للمشركين أَغارت على مراعي المدينة ونهبت بعض

__________

(1) بواط – بالضم وآخره طاء مهملة – واد بأرض الحجاز ناحية رضوى.

(2) العشيرة -بضم أوله وفتح ثانيه- موضع بين مكة والمدينة من ناحية ينبع.

(3) ينبع – بالفتح ثم السكون – قرية على يمين رضوى بينها وبين رضوى ليلة للقافلة.

(4) مدلج -بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- بطن من كنانة من العدنانية.

 

المواشي، وصل النبي في المطاردة إلى وادي (سفوان) قريبًا من بدر، ولكنه لم يدرك القوات المغيرة فعاد دون أَن يلقى حربًا.

 

القتال في الشهر الحرام

وآخر عملية عسكرية قام بها المسلمون (قبل معركة بدر) هي الدورية الاستطلاعية التي قام بها ثمانية من المهاجرين بقيادة عبد الله بن جحش، وذلك في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة.

فقد أَرسل الرسول هذه الدورية لاستطلاع أَخبار قريش وأَمرها أن تترصد لذلك بين مكة والطائف، ولم يأْمر هذه الدورية بالقتال.

وفي مكان يقال له (نخلة) (1) الْتقت هذه الدورية بقافلة لقريش تحمل بضائع إلى مكة، فأَوقعت هذه الدورية بها بعد أَن قتلت أَحد رجالها، وهو عمرو بن الحضرمي، وأَسرت اثنين منهم، وبعد الاستيلاء على هذه القافلة عادت الدورية بها إلى المدينة، وكان ابن الحضرمي أول مشرك يقتله المسلمون، كما أَن القافلة التي استولى عليها عبد الله بن جحش هي أَول مال لقريش يستولى عليه المسلمون.

 

موقف حرج

وعندما بلغ الرسول – صلى الله عليه وسلم – خبر هذا الحادث غضب لحادث القتل والمصادرة الذي قامت به دورية ابن جحش وأَبى أَن يأْخذ شيئًا من المال المصادر, لأَن القتل والمصادرة حدثا في شهر رجب وهو من الأَشهر

__________

(1) هي نخلة اليمانية، وهو الوادي المسمى باسم اليمانية المعروف بين مكة والطائف.

 

الحرم التي يحرم القتال فيها – وقد استغلت قريش هذا الحادث فقامت بحملة تشنيع على المسلمين باعتبارهم منتهكين لحرمة الأَشهر الحرم التي كان القتال فيها محرمًا بإجماع قبائل العرب، وقالوا لقد استحل محمد وأَصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأَخذوا فيه الأَموال وأسروا فيه الرجال.

ولم يُنجِ رجال هذه الدورية من ورطتهم إلا نزول الوحي من السماء بإباحة قتال المشركين في أَي وقت كان، فقد أَقر القرآن القائد ابن جحش وأَفراد دوريته على عملهم الحربي إياه، حيث أَنزل الله بهذه المناسبة:

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (1).

 

بعد التطور التشريعي في القتال

وبعد هذا التطور التشريعي الذي أَحل قتال العدو في أَي زمان, دخل الصراع المسلح بين الفريقين في مراحل أَشد حسمًا، واتسعت الهوة بين المعسكرين. وصمم المسلمون على أَن لا يتركوا أَية فرصة تسنح لهم للإيقاع بعدوهم إلا اغتنموها.

كما أَدرك قادة مكة أَن المسلمين مصممون على محاسبتهم عسكريًا على كل ما ارتكبوه في حقوقهم من سيئات.

__________

(1) البقرة 216.

 

تجارة مكة في خطر

ولقد كان أَول خطر شعر به مشركو مكة هو أَن تجارتهم الرئيسية مع الشام – والتي هي العمود الفقري لحياتهم – أصبحت مهددة تهديدًا خطيرًا, بعد أَن تمركز النبي في مقاطعة يثرب (1) التي تتحكم في طريق القوافل الرئيسي، بين مكة والشام. وهذه هي إحدى النتائج التي كانت تخشاها مكة من إفلات محمد – صلى الله عليه وسلم – من قبضتها.

__________

(1) يثرب اسم للمنطقة الىتي فيها المدينة، وقد سميت باسم أول من سكنها. وهو يثرب بن قانية من ولد سام بن نوح.

 

مَعركة بَدْر

 

لقد كانت معركة بدر – بالإضافة إلى كونها المعركة الفاصلة الأُولى في تاريخ الإسلام – أَول مراحل الكفاح الجدي الدامي الذي خاضه الإِسلام ضد الشرك.

فهي أَول معركة (على الإِطلاق) يتقابل فيها الفريقان ويقذفون في أَتونها بكتائب لم يسبق لهم أَن قذفوا بمثلها منذ ظهرت دعوة الإِسلام ونشبت الخصومة بينه وبين الكفر.

 

أسباب معركة بدر

لقد تحقق خوف المشركين ووقعت مكة فيما كانت تخشى الوقوع فيه، فقد ظلت المدينة على غاية من التيقظ والتربص تترقب كل حركة من حركات قريش التجارية بين مكة والشام للإِيقاع بها.

وفي أَوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة تلقت المدينة من مخابراتها إشارة بأَن أَبا سفيان بن حرب قد خرج من مكة إلى الشام في تجارة كبيرة.

فخف الرسول وخرج من المدينة في مائتي مقاتل لاعتراضها وذلك في غزوة العشيرة، ولكن هذه القافلة تمكنت من الإِفلات إلى الشام، فظل المسلمون يترقبون عودتها.

 

وقد بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – دورية مكونة من طلحة بن عبيد الله (1) وسعيد بن زيد (2) وأَمرها بالاتجاه نحو الشمال لانتظار القافلة، فوصلت هذه الدورية إلى الحوراء (3) وهناك مكثت هذه الدورية حتى مر بها أَبو سفيان عائدًا من الشام بالقافلة البالغ عددها أَلف بعير. وعند ذلك أَسرع طلحة وسعيد وأَخبرا رسول الله بذلك.

 

خروج النبي للقافلة

إنها (إذن) فرصة ذهبية لمعسكر المدينة، وخاصة من فيه من المهاجرين الذين صادر أَهل مكة ثرواتهم عند هجرتهم واستولوا على ممتلكاتهم.

وإنها لضربة عسكرية وسياسية واقتصادية قاصمة، تنزل بمعسكر الشرك في مكة، لو أَنها فقدت هذه الثروة الهائلة على أَيدى المسلمين.

فلتتحرك المدينة (إذن) للإستيلاء على هذه الثروة الضخمة التي تحملها عير المشركين، وهل في ذلك من حرج؟ .

أَليست المدينة في حالة حرب مع مكة؟ ، أَليس الذين أَعلنوا هذه الحرب – بغيًا وعدوانا – هم أَهل مكة وأَصحاب هذه القافلة؟ وأَليس

__________

(1) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي، غني عن التعريف، أحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد جميع المشاهد مع رسول الله وأصيب بأربعة وعشرين جرحًا في معركة أحد، كان مع أغنياء الصحابة الأجواد، قتل في الفتنة يوم الجمل في جانب عائشة ودفن بالبصرة.

(2) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من ذوي الرأي والبسالة، شهد اليرموك وحصار دمشق، وولاه أبو عبيدة إمارة هذه المدينة، مات – رضي الله عنه – بالمدينة المنورة سنة إحدى وخمسين من الهجرة.

(3) الحوراء -بفتح أوله وسكون ثانيه- ماء لبني طي شمال غرب المدينة.

 

أصحاب هذه القافلة هم الذين صادروا أَموال المهاجرين واستولوا على ممتلكاتهم في مكة بغيًا وعدوانا لا لشيء إلا لأَنهم آمنوا بالدين الجديد. وأَليس من حق من أُعلنت عليه الحرب وصودرت أَمواله أَن يقاتل من أَعلنها ويستولى على كل ما تصل إليه يده من ممتلكاته؟ ؟ .

بلى .. إن هذه هي قاعدة الحرب وقانونها في عرف جميع البشر (1) فلا غرابة (إذن) في أَن يعقد الرسول العزم على التصدي لقافلة قريش ويصمم على الاستيلاء عليها كجزءٍ من مال العدو المحارب.

إن كثيرًا من المستشرقين وبعض فروخهم في الشرق الإسلامي ينظرون إلى معركهـ بدر، وكأَنها ضرب من قطع الطريق وأَعمال السلب والنهب المجردة.

وهذه النظرة بالتأْكيد، ليس لها مصدر إلا الحقد الأَسود الذي يعمى عن الحقائق ويتيح للهوى أَن يتكلم ويصدر حكمنه كما يشاءُ.

وإلا فكيف يوصف باللصوصية وقطع الطريق من حمل السلاح في وجه من أَعلن عليه الحرب وقرر الفتك به, وصمم على القضاءِ عليه ومحوه من الوجود وصادر كل ما وصلت إليه يده من أَمواله وممتلكاته.

 

منطق غريب

إنه منطق غريب معكوس، لا يشبهه إلا منطق أَسياد هؤلاء الفروخ من المستعمرين الذين يصادرون حريات الشعوب، ويهدرون كراماتهم ويستبيحون دماءَهم، ثم يسمونهم باللصوص المتوحشين.

قال جندي إنكليزي مرة لزميل له – يصف الأَفريقيين المعتدى

__________

(1) انظر القانون الدولي العام.

 

عليهم – إن هؤلاء الأَفريقين وحوش، والله وحوش، فقال له: وكيف؟

قال: تصور أَن أَحدهم عضني وأَنا أَقتله … !

 

الحملة تتحرك

بعد أَن سمع النبي بدخول قافلة العدو إلى التراب الحجازي تحرك من المدينة بجيشه للاستيلاء عليها ..

ومن الواضح جدًّا .. أن استنفار عساكر الإِسلام بالمدينة من أَجل الاستيلاء على هذه القافلة، لم يكن تجنيدًا إجباريًا (كما هي العادة في المعارك الكبرى التي يستعد الرسول لخوضها كمعركة أُحد) بل كان نداءُ الرسول للجيش هنا بمثابة ترغيب فقط.

فقد جاء في ندائه قوله … هذه عير قريش فيها أَموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.

ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة عن الاشتراك في معركة بدر التي لم يكن أحد من المسلمين يتوقع حدوثها عند خروجه من المدينة.

ولم ينكر الرسول على أَحد من المتخلفين، بل ولم يستحثه على الخروج مع الحملة، بل ترك الأَمر للرغبة الخاصة، والاختيار المحض.

ومن المؤكد أَن الذين لم ينخرطوا في سلك الجيش الذي خرج لملاقاة العير، لو كانوا يعلمون أَن الرسول سيصطدم بجيش مكة ذلك الاصطدام العنيف في بدر، لما تخلف منهم قادر على حمل السلاح. ولكنهم اعتقدوا (جازمين) أَن الصدام لن يكون عنيفًا عند التصدي للقافلة، بل قد لا يكون هناك صدام إذ من المتوقع أَن يفر حرس العير – وهم

 

لا يزيدون عن أربعين راكبًا – مجرد رؤية محمد وجنوده الذين لا يقلون عن ثلاثمائة مقاتل.

لذلك تخلف من تخلف عن الحملة في المدينة، وقد أَفصح عن هذه الحقيقة أُسيد بن الحضير (1) وهو سيد من سادات الأَنصار – فقد قال للرسول معتذرًا – عندما لقيه مهنئًا بالنصر في الروحاء – والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن أَنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال له الرسول صدقت.

وكان خروج النبي بجيشه من المدينة يوم الأَربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة.

 

أمير المدينة وقت غزوة بدر

وقد استعمل على المدينة للصلاة بالناس ابن أُم مكتوب (2).

أَما الإِمارة على المدينة فقد أَسندها لأَبى لبابة (3) الذي أَعاده من الروحاء، بعد أَن أَعفاه من الاشتراك في حملة بدر.

__________

(1) هو أسيد (بالضم) بن الحضير بن سماك بن عتيك الأنصاري الأشهلى، كان من السابقين الأُولين في الإسلام، شهد بيعة العقبة، وكان أحد النقباء فيها، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا بين الأنصار، وقالت عائشة رضي الله عنها ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بي عبد الأشهل، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، شهد أسيد أحدًا، وكان من الثابتين بعد الهزيمة وجرح في تلك المعركة سبع جراحات مات رضي الله عنها سنة إحدى وعشرين من الهجرة.

(2) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

(3) أبو لبابة، اسمه رفاعة بن عبد المنذر الأوسى الأنصاري، شهد بيعة العقبة وكان أحد نقبائها الإثنى عشر، كان أحد الذين تخلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ثم تاب الله عليه مع من تاب، شهد فتح مكة، وكان معه لواء قومه بني عوف مات في خلافة علي، وقيل عاش إلى ما بعد الخمسين من الهجرة.

 

توزيع القيادات قبل بدر

وعند خروج الجيش من المدينة دفع لواء القيادة العامة (التي يتولاها – صلى الله عليه وسلم – بنفسه) إلى مصعب بن عمير القرشي، وكان هذا اللواءُ أَبيضًا.

كما قسم – صلى الله عليه وسلم – جيشه إلى كتيبتين، وكان هذا التقسيم على أَساس قَبَلى.

فقد كانت كتيبة المهاجرين – التي أَعطى علمها لعلي بن أَبي طالب (1) – منفصلة عن كتيبة الأَنصار التي أَعطى علمها لسعد بن معاذ (2) بينما ظلت قيادة هاتين الكتيبتين العليا في يد الرسول – صلى الله عليه وسلم – كقائد أَعلى للجيش.

كما أَعطى قيادة ميمنة الجيش للزبير بن العوام، والميسرة للمقداد بن عمرو الكندى وهما الفارسان الوحيدان في جيش المدينة، كما أَعطى قيادة الساقة (المؤخرة) لقيس بن أَبي صعصعة.

__________

(1) هو علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله، غني عن التعريف، رابع الخلفاء الراشدين وزوج فاطمة البتول وأول الناس إسلامًا، أحد العشرة المبشرين بالجنة، فارس بني عبد مناف وبطلها المغوار، شهد المعارك كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الخلافة بعد أن ضربت الفتنة أطنابها على الأمة الإسلامية، فكان رضي الله عنه مثال العدل والعفة والنزاهة، قتله اللعين، عبد الرحمن بن الملجم غدرًا، ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة.

(2) هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسى، كان سيد الأوس في الجاهلية. والإسلام, وهو الذي قال فيه النبي لما مات “اهتز العرش لموت مسعد بن معاذ” جرح يوم الخندق ومات من جرحه. ذاك بعد شهر وذلك سنة خمس من الهجرة.

 

مبلغ قوة جيش المدينة في بدر

وكان جيش المدينة يتأَلف من ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا.

منهم، مائتان وواحد وثلاثون من الأَنصار .. ومائة وسبعون من الخزرج، وواحد وستون من الأَوس.

أَما المهاجرون فقد كانوا ستة وثمانون رجلا (1).

ومن الجدير بالذكر أَنه ليكن بين هؤلاء المهاجرين من القرشيين سوى واحد وأَربعين رجلا.

من بني هاشم ثلاثة، ومن بني المطلب أَربعة، ومن بني عبد شمس واحد، ومن بني عبد العزي واحد. ومن بني عبد الدار اثنان، ومن بني زهرة ثلاثة، ومن بني تيم واحد، ومن بني مخزوم ثلاثة، ومن بني عدي أربعة، ومن بني جمح خمسة، ومن بني سهم واحد، ومن بني عامر خمسة ومن بني الحارث ستة.

أَما الباقون، وهم خمسة وأَربعون فقد كانوا من الموالى والحلفاء.

فالموالى كانوا اثنا عشر، منهم أَربعة من العرب. وثمانية من العجم.

أَما الحلفاءُ من العرب (غير القرشيين) فقد كانوا ثلاثة وثلاثون.

أَما سلاح النقليات في هذه الحملة فقد كان سبعين بعيرًا وفرسين فقط, أَحدهما مع المقدام بن الأسود والثاني مع الزبير بن العوام.

__________

(1) وقد ذكر المؤرخون أن ثمانية من هؤلاء … ثلاثة من المهاجرين وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن زيد، وخمسة من الأَنصار، قد غابوا عن المعركة في مهام تتعلق بالإسلام فأعلن الرسول أن لهم أجر من شهدها وضرب لهم بسهم كمن شهدها، ولهذا اعتبروا في عداد البدريين وإن لم يشهدوا بدرًا.

 

لا فرق بين قائد وجندي في غزوة بدر

وكان أَفراد الجيش مع قوادهم يعتقبون السبعين بعيرًا في حملتهم هذه، فقد خصص جمل لكل جماعة يركبونه بالتناوب حتى بدر.

وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومرثد بن أَبي مرثد (1) وعلي بن أبي طالب يعتقبون بعيرًا، فطلب ابن أَبي طالب وابن أَبي مرثد من زميلهما النبي – صلى الله عليه وسلم – أَن يتنازلا عن حصتهما في ركوب البعير له، وقالا له، نحن نمشى عنك، فقال – صلى الله عليه وسلم – “ما أَنتما بأَقوى منى ولا أَنا بأَغنى الأَجر عنكما” وأَبى إلا أَن يكون حصته في ركوب البعير كواحد منهما.

 

الاستخبارات النبوية في غزوة بدر

أَمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بقطع الأَجراس من أَعناق الإِبل (2) ويظهر أَن ذلك من أَجل إخفاء حركات الجيشى، لأَن الأَجراس تحدث أَصواتًا عالية عند سير الجمال، وهذا مما قد يسهل على العدو معرفة مكان الجيش، ولهذا (والله أَعلم) أمر الرسول بقطعها من أَعناق الإِبل.

وكما هي العادة في الظروف الحربية التي تتطلب الحيطة والحذر، بث الرسول عيونه – وهم المعبر عنهم في العصر الحديث بالاستخبارات أَو سلاح الاستكشاف، انتشر رجال سلاح الاستكشاف أَمام الجيش هنا وهناك، بغية التعرف على أَخبار قافلة العدو، وكان أَحد هؤلاء

__________

(1) هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي، من قبيلة قيس بن غيلان المضرية، قتل شهيدًا في غزوة ذات الرجيع سنة ثلاث من الهجرة.

(2) البداية والنهاية ج 3 ص 261.

 

بسبس بن عمرو الجهني (1) وعدي بن أَبي الزغباء (2) اللذين كانا أَول من بعثهم النبي في اتجاه بدر يتجسسان الأَخبار عن أَبي سفيان.

 

الطريق إلى غزوة بدر

وقد سلك الرسول في طريقه من المدينة إلى بدر، على نقب المدينة (3)، ثم العقيق (4) ثم ذي الحليفة (5) ثم أَولات الجيش (6) ثم تربان (7) ثم ملل (8) ثم غميس الحمام (9) ثم صخيرات اليمامة (10) ثم السيالة (11) ثم فج الروحاء, ثم شنوكة (12).

وعند مغادرته بئر الروحاء ترك طريق مكة بيسار ثم انحرف ذات اليمين على النازية يريد بدرًا، حتى إذا سلك واديًا يقال له وحقان – بين النازية ومضيق الصفراء – انصب منه, ثم ترك وادي الصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران (13)، وعند خروجه من هذا الوادي بلغه خبر خروج جيش مكة وزحفه في اتجاه بدر. وبعد

__________

(1) هو بسبس بن عمرو الغطفاني الجهني.

(2) هو عدي بن أبي الزغباء الغطفاني الجهني، توفي في خلافة عمر.

(3) خرق في الجبل بالقرب من المدينة.

(4) العقيق -بفتح أوله وكسر ثانيه- واد يمر بضواحي المدينة.

(5) ذو الحليفة -بضم الحاء وفتح اللام- مكان بينه وبين المدينة ستة أميال.

(6) أولات الجيش، واد بين ذي الحليفة وتربان.

(7) تربان – بالضم – واد بين ذات الجيش وملك.

(8) ملل -بفتح الميم واللام- موضع بينه وبين المدينة ليلتان للقافلة.

(9) غميس الحمام -بفتح أوله وكسر ثانيه- واد بعد ملل.

(10) السيالة، موضع بين ملل والروحاء.

(11) الروحاء -بفتح الراء- موضع على أربعين ميلا من المدينة.

(12) شنوكة -بفتح أوله وضم ثانيه- جبل بعد الروحاء قريب من بدر.

(13) ذفران – بالفتح، ثم فاء بالكسر، وراء مهملة – واد قرب وادي الصفراء.

 

خروجه من وادي ذفران سلك على ثنايا، يقال لها، الأُصافر، ثم أَنمط منها إلى بلد – قرب بدر – يقال له .. الدبة، وترك الحنان (1) بيمين، نم نزل قريبًا من بدر.

 

استنجاد أبي سفيان بمكة

أَما أَبو سفيان – وهو المسئول الأَول عن عير قريش – فقد كان على غاية من الحيطة والحذر حيث كان يعلم جيدًا أَن طريق مكة محفوف بالأَخطار.

لذلك لم تكد قدماه تطأُ التراب الحجازي في الشمال حتى انتشرت استخباراته أَمامه تترصد الأَخبار لمعرفة ما إذا كانت هناك تحركات عسكرية من قبل محمد – صلى الله عليه وسلم – للإيقاع بالقافلة.

ولم يطل التجسس بأَبي سفيان، فقد نقلت إليه استخباراته أَن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – قد استنفر أَصحابه للقافلة وأَنهم قد غادور المدينة للإيقاع بها.

وهنا أَسقط في يد أَبي سفيان، وتمثل أَمامه الخطر كبيرًا مريعًا، لذا قرر في الحال إبلاغ قادة قريش في مكة حقيقة الخطر المحدق بعيرهم، طالبًا منهم الإسراع لإنقاذها، وحمايتها من الوقوع في قبضة محمد – صلى الله عليه وسلم -.

 

النذير في مكة

وما هي إلا مدة قصيرة حتى ظهر رسول أَبي سفيان (ضمضم بن عمرو الغفاري) في أَعلى الأَبطح بمكة واقفًا على بعيره، قد حول رحله وشق رداءه صارخًا بأَعلى صوته – يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة،

__________

(1) الحنان – كثيب عظيم كالجبل يقع على العدوة الدنيا القريبة من بدر.

 

أَموالكم مع أَبي سفيان، قد عرض لها محمد وأَصحابه, لا أَرى أن تدركوها، الغوث الغوث.

وقد انزعجت مكة لهذا النبإِ الخطير انزعاجًا كبيرًا، قررت على أَثره في الحال تجهيز جيش قوى لإنقاذ العير، وبأَسرع ما يمكن.

وقد اشترك في تجهيز هذا الجيش بالرجال والمال جميع قبائل قريش، كما ضم جميع زعماء قريش وقادتها، ما عدا أَبى لهب الذي تأَخر لمرض أَلمّ به، وبعث عنه بديلا، وصفوان بن أُمية لأَن أباه وأَخاه ممن انخرط في سلك هذا الجيش.

 

مشكلة قبائل بني بكر من كنانة (1)

وبعد تجهيز الجيش تذكر زعماءُ مكة ما بينهم وبين بني بكر من كنانة، من الحرب، وخافوا أَن تضربهم هذه القبائل من الخلف،

فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك أَن يثنيهم عن الزحف لإِنقاذ العير غير أَن إِبليس تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وكان

من أَشراف كنانة، وقال لهم أَنا جار لكم من أَن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا، قال ابن كثير في تاريخه (2)

(قلت)

وهذا معنى قوله تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ

__________

(1) هم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، يتصل نسبهم بقريش في كنانة بن خزيمة كانت منازلهم تنتشر بين مكة والمدينة، وكانت الحرب بينهم وبين قريش قائمة عندما تجهز جيش مكة للخروج لإنقاذ العير، وكان سبب هذه الحرب أن رجلا من بني عامر بن لؤي من قريش قتل رجلا من بكر هؤلاء.

(2) البداية والنهاية ج 3 ص 259.

 

لشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (1).

 

جيش مكة يتحرك

تحركت مكة (بعد أَن ضمنت موقف بني بكر) ثم نفرت بصناديدها وانطلق سوادها يغلي كالبركان.

فقد فصل منها جيش ضخم بلغ تعداده حوالي أَلف وثلاثمائة مقاتل .. تحرك هذا الجيش بسرعة فائقة نحو الشمال في تجاه بدر، فامتطى الصعب والذلول، بغية إنقاذ العير قبل وقوعها في قبضة جيش للمدينة.

وقد سلكوا في طريقهم إلى بدر وادي عسفان (2) ثم قديد (3) ثم الجحفة (4) ثم الأَبواء (5) ثم إلى بدر، وقد كان معهم ستون فرسًا وستمائة درع، وجمال كثيرة لم يعرف عددها بالضبط.

 

الممولون لجيش مكة

وكان المطعمون لجيش مكة والقائمون بتموينه تسعة من زعمائها وهم:

__________

(1) الأنفال, 47 – 48.

(2) عسفان -بضم العين وسكون السين- يقع في طريق القوافل بين مكة ورابغ.

(3) قديد -بضم القاف وفتح الدال- مكان بين عسفان ورابغ يقع بالقرب من تول -بضم التاء وفتح الواو-.

(4) الجحفة بالضم ثم السكون – قرية على وادي رابغ بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين مكة بطريق القوافل حوالي 122 ميلا.

(5) الأبواء – بالفتح ثم السكون – قرية على بعد ثلاثة وعشرون ميلا من الجحفة مما يلي المدينة.

 

– أبو جهل بن هشام، نحر لهم عشرًا من الإبل حين خروجهم من مكة.

– أمية بن خلف، نحر لهم تسعًا بعسفان.

– سهيل بن عمرو (1)، نحر لهم عشرًا بقديد.

– شيبة بن ربيعة، نحر لهم تسعًا على مياه البحر بالقرب من قديد.

– عتبة بن ربيعة نحر لهم عشرًا في الجحفة

– نبيه ومنبه أبناء الحجاج نحرا لهم عشرًا بالأبواء.

– أبو البحترى بن هشام، نحر لهم عشرًا في بدر.

وبينما كان جيش مكة يتحرك بسرعة نحو بدر كان أبو سفيان يواصل سيره نحو مكة، وبالرغم من تأكده من إسراع مكة بنجدته فإنه ظل حذرًا متيقظًا، يرسم الخطط لكل الاحتمالات إلى قد يتعرض لها قبل اتصاله بجيش مكة، فهو لذلك لم يستسلم في انتظار نجدة قريش.

فقد ضاعف حركاته الاستكشافية، وبذل كل ما في وسعه لتتبع أخبار جيش المدينة ليتجنب الاصطدام به، ويفلت من قبضته. وبالرغم من حذر أبي سفيان وتيقظه، فإنه لم يغير اتجاهه الطبيعي العادى في سيره نحو مكة، فقد كان يسير بالقافلة من الشمال نحو الجنوب في اتجاه بدر، تاركًا المدينة عن يساره.

 

ساعة حرجة قبل بدر

وقد كانت ساعة حرجة بالنسبة لأبي سفيان عندما كاد يقع مع

__________

(1) ستأتي ترجمته فيما يلي.

 

القافلة في قبضة المسلمين، عند اقترابه من بدر لولا أن أسعفه الحظ عندما لقى مجدى بن عمرو وسأله عن جيش محمد، فقال ما رأيت أحدًا أنكره إلا أنني رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا.

وهنا أسرع أبو سفيان إلى مناخ راحلتى الرجلين وتناول بعرات من فضلاتهما، وعند فحصها وجد فيها النوى (بذر التمر) فقال هذه والله علائف يثرب، وتأكد لديه أن الرجلين من أصحاب محمد، وأن جيشه لا شك قريب من العير إلى قد تقع بين لحظة وأخرى في قبضته.

وهنا رجع إلى العير مسرعًا وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة.

 

جيش مكة ونجاة العير وبدر

وبعد أن تأكد أبو سفيان من نجاة العير أبلغ قريشًا ذلك وطلب منهم – ناصحًا – أن يعودوا بالجيش إلى مكة، قائلا (في رسالة بعث بها إليهم، وصلتهم في الجحفة) إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله، فارجعوا.

ولكن أبا جهل (وهو من أكبر الحاقدين على النبي محمد) – صلى الله عليه وسلم – رفض نصيحة أبي سفيان وأصر على أن يستمر الجيش في زحفه حتى بدر قائلا وكبرياءٍ وغطرسة:

والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم

 

الطعام ونسقى الخمر وتعزف لنا القيان (1) وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا. فامضوا (2).

 

أول انشقاق في جيش مكة قبل موقعة بدر

وقد كان قصد أبي جھهل من استمرار جيش مكة في زحفه حتى بدر (بالرغم من نجاة العير) أن يكون هذا الزحف بمثابة مناورة عسكرية كبرى تبرز فيها قوة مكة وتتجسد فيها هيبتها أمام قبائل العرب – وخاصة الضاربة بين مكة والمدينة – والتي سيمر بأراضيها هذا الجيش الضخم الذي تشھهد بلاد العرب مثل ضخامته منذ ظهور الإسلام.

 

اجعلوا جبنها بي

ولكن الأخنس بن شريق الثقفي (3) حليف بني زهرة وقائد قبيلتها في هذا النفير – عارض أبا جهل في رأيه ووقف في الجيش خطيبًا موجها كلامه إلى بني زهرة قائلا:

يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص صاحبكم مخرمة بن نوفل (4)، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا

__________

(1) القيان جمع قينة بفتح القاف وسكون الياء، الأمة المغنية، والماشطة.

(2) البداية والنهاية ج 3 ص 266.

(3) هو الأخنس بن شريق بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، كان سيدًا عاقلا ومطاعًا في قومه، سمى الأخنس، لأنه انخنس، أي انفصل ببنى زهرة من جيش مكة بعد نجاة العير، أسلم عام الفتح. وشهد حنينًا مع الرسول – صلى الله عليه وسلم -.

(4) هو مخرمة بن نوفل بن عبد مناف الزهري، كان أحد رجال العير التي نجا بها أبو سفيان. أسلم عام الفتح ومات سنة خمس وخمسين من الهجرة وعمره 115 سنة.

 

فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة. لا ما يقول هذا، يعني أبا جهل.

وكان الأخنس الثقفي هذا سيدًا مطاعًا في بني زهرة، لذا أطاعوه ورجعوا جميعهم من الجحفة ولم يشهد بدرًا زهرى واحد. وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل.

 

حرج موقف المسلمين قبل بدر

استمر جيش مكة في زحفه نحو الشمال، في خيلاءٍ متزايد وكبرياءٍ متناه، متبعًا رأى أبي جهل الذي قاده في النهاية إلى هزيمة منكرة، لم تشهد قريش مثلها في تاريخها الطويل.

أما المسلمون فقد بلغهم خبر نجاة أبي سفيان بالقافلة، ولكن الخبر الذي هو أهم من خبر إفلات القافلة هو خبر تحركات جيش مكة الضخم واستمراره في الزحف نحو بدر بالرغم من نجاة العير التي لم يخرج إلا لحمايتها.

فمما لا شك فيه، أن ترك جيش الشرك يجوس خلال الديار في تلك المنطقة الحساسة، ويستعرض عضلاته بين القبائل الضاربة بين مكة والمدينة، فيه تحد سافر لمعسكر المدينة المسلم، وتدعيم لمكانة قريش العسكرية وامتداد لسلطانها السياسي، وإضعاف لنفوذ الإسلام الذي أخذ ينتشر في تلك البقاع التي كانت (منذ الهجرة) مجالا لسرايا عسكرية يقوم بها جيش النبي لإعلاء كلمة الله وتوهين كلمة الكفر.

فسير جيش مكة في استعراضاته الاستفزازية من مكة حتى بدر،

 

دون أن يشتبك مع جيش المدينة الذي كان هو الآخر متجها بزحفه نحو بدر، معناه النكول عن القتال، وهذا لو حدث من جانب جيش محمد – صلى الله عليه وسلم -، سيكون له أسوأُ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم العسكرية في تلك المنطقة، وقد يشجع هذا النكول أبا جهل على نقل المعركة إلى أسوار المدينة وغزو النبي في عقر داره بهذا الجيش نفسه.

 

المجلس العسكرى الأعلى

لهذا اهتم الرسول – صلى الله عليه وسلم – بهذه التطورات الخطيرة المفاجئة، غاية الاهتمام. وكانت رغبة الرسول أكيدة وقوية في الاشتباك مع جيش مكة في بدر، مهما كان الثمن.

ولكنه بالرغم من هذا، وبالرغم من أنه النبي المرسل من عند الله، وبالرغم من أنه القائد الأعلى للجيش. فقد قرر أن لا ينفرد بالقول الفصل وأن لا يتفرد برأيه حيال هذه التطورات العسكرية المباغتة وذلك عملا بمبدأ الشورى الذي جاء به الإسلام {وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ}.

لذلك سارع الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى عقد ما يسمى بلغة عصرنا (مجلسًا عسكريًا) أعلى تبادل فيه الرأي مع قادة جيشه ليعرف وجهات نظرهم حيال هذا الموقف الخطير.

 

خطورة الموقف قبل بدر

إن تطور الموقف إلى هذه الدرجة من الخطورة كان امتحانًا مباغتًا لجيش المدينة الصغير الذي لم يكن مستعدًا لخوض مثل هذه المعركة.

فخروجه في البداية إنما كان من أجل الاستيلاء على قافلة لا يزيد

 

عدد حراسها على أربعين مقاتلا وهو أمر لا يحتاج إلى أكثر مما قام به هذا الجيش من استعدادات.

ولكن هذا الأمر اليسير (وبطريقة مباغتة) تحول إلى أمر خطير جعل المسلمين في مأزق حرج، فقد أفلت الأربعون راكبًا ونجوا بقافلتهم ووجد هذا الجيش الصغير (جيش المدينة) نفسه – بدلا من حرس العير الأربعين – أمام جيش لجب تقوده الخيلاء وتدفعه الكبرياءُ والتحدى، قد جمع بين صناديد مكة وفرسانها.

والاصطدام مع هذا الجيش القوى الكبير يحتاج من المسلمين (قبل الإقدام عليه) إلى بحث المقدمات والتفكير في النتائج.

ولهذا عقد الرسول – صلى الله عليه وسلم – مجلسه العسكرى الاستشارى (1) الأعلى الذي أحب أن يطلع فيه على حقيقة آراء قادة جيشه في ذلك الظرف الدقيق.

 

إجماع القادة على ملاقاة جيش مكة قبل بدر

ولكن هذا المجلس لم يكد ينعقد، حتى وقف قادة المهاجرين يعلنون تصميمهم على الاشتباك مع جيش الشرك مهما كان الثمن.

وقد جاء إعلانهم هذا صريحًا في قول أحد قادتهم، وهو المقداد بن عمرو (2) الذي وقف خطيبًا في المجلس قائلا:

__________

(1) ثم عقد هذا المجلس بعد خروج جيش المدينة من وادي الذفران مباشرة وذلك بالقرب من بدر.

(2) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة العامري، ويقال له المقداد بن الأسود الكندى الحضرمي، لأن أباه أصاب دمًا في قومه فلحق بحضرموت وحالف كندة وتزوج منهم امرأة فولدت له المقداد، ولما كبر المقداد، حدث شجار بينه وبين أبي شمر بن حجر =

 

“يا رسول الله امض لما أراك فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن “اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد (1) لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه” فقال له الرسول خيرًا.

 

الكلمة الأخيرة للأنصار لخوض معركة بدر

ولكن الرسول إذا كان قد عرف رأى المهاجرين في هذا المجلس (وهم أقلية في الجيش) فإنه لم يعرف بعد حقيقة موقف الأنصار الذين سيدور ثقل المعركة القادمة على كواهلهم، لأنهم يمثلون أغلبية الجيش، ولأن نصوص معاهدة العقبة لا تلزمهم صراحة بالقتال خارج ديارهم، حيث جاء في أحد بنودها:

“إنهم (أي الأنصار) برآءُ من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فإذا وصل إليهم فإنه في ذمتهم يمنعونه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءَهم”.

فكان لذلك، يخشى ألا تكون الأَنصار ترى نصره إلا ضد من يهاجمه بالمدينة.

ولهذا أحب أن يرى (بصفة خاصة) حقيقة موقف الأنصار من

__________

= الكندي فضرب رجله بالسيف، وهرب إلى مكة وحالف الأسود بن عبد يغوث فتبناه الأسود ولذلك قيل له المقداد بن الأسود وغلب عليه ذلك ولما نزلت {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} قيل له المقداد بن عمرو، هاجر المقداد الهجرتين وكان شجاعًا، مات -رضي الله عنه – سنة ثلاث وثلاثين هجرية.

(1) برك الغماد: يقال إنه أقصى معمور في الأرض.

 

خوض المعركة المقبلة، فقال (بعد سماع موافقة المهاجرين) “أشيروا عليّ أَيها الناس” – يقصد الأَنصار -.

وهنا نهض سعد بن معاذ (1) سيد الأَنصار، وصاحب لواء كتيبتهم وقال:

لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ ؟

فقال – صلى الله عليه وسلم -: أجل.

فأعلن القائد الأنصاري موافقة الأَنصار المطلقة وتصميمهم الصادق على ملاقاة جيش العدو قائلا مخاطبًا النبي عليه الصلاة والسلام قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا إننا لصُبُرٌ في الحرب. صدق في اللقاء: ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

 

إلى معركة بدر

وهنا سر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بعد أن عرف رغبة الفريقين الصادقة في الاشتباك مع جيش الشرك، ونشطه ذلك ..

وفورًا أمر الجيش بمواصلة التحرك نحو بدر وقال:

“سيروا، وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأَني أنظر إلى مصارع القوم”. فتحرك الجيش نحو مياه بدر.

__________

(1) ستأتي ترجمته.

 

النبي في سلاح الاستكشاف قبل معركة بدر

ومن أروع الأمثلة التي ضربها النبي – صلى الله عليه وسلم – للقائد اليقظ المتواضع أنه عندما نزل بأصحابه بالقرب من بدر – حيث يربض جيش مكة الضخم قام بنفسه – مع بعض أصحابه – بعملية الاستكشاف لمعرفة أخبار جيش العدو، محاولا بنفسه التعرف على حقيقة قوة هذا الجيش وأين هو.

وبينما كان الرسول يتجول حول معسكر مكة، مع أحد أصحابه مخاطرًا بنفسه، إذا به يقف على شيخ من العرب، فأحب أن يسأله عن قريش، ولكنه خاف أن يشتبه الشيخ فيه ويظنه من جيش المسلمين فسأله عن جيش قريش وجيش المسلمين معًا، زيادة في التكتم والاحتياط.

ولكن الشيخ (بدافع الفضول) قال للنہبي – صلى الله عليه وسلم -: لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أَنتما؟ ؟ .

فقال له الرسول إذا أخبرتنا أخبرناك …

قال الشيخ أو ذاك؟ .

قال النبي، نعم.

قال الشيخ، فإنه بلغى أن محمدًا وأصحابه، خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأنه بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به جيش مكة .. ولما فرغ الشيخ من خبره قال .. ممن أَنتما؟ فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم – نحن من ماء ثم انصرف، بعد أن عرف (بالتحديد)

 

مكان جيش العدو دون أن يعرف الشيخ من هو. وهذا تشريع حربي شرعه الرسول، يجوز أو يجب بموجبه الحصول على أَخبار العدو بأَية وسيلة، حتى ولو أَدى إلى التمويه ما دام في ذلك مصلحة جيش المسلمين وسلامته.

وبعد أن رجع النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى مقر قيادته والجيش، بعث في مساء ذلك اليوم استخباراته من جديد لترصد له أخبار جيش العدو.

فقد انتدب ثلاثة من قادة المهاجرين (علي بن أبي طالب والزبير بن العوام (1) وسعد بن أبي وقاص (2) مع نفر من أصحابة إلى ماء بدر نفسها للحصول على مزيد من أخبار العدو.

 

الحصول على أهم المعلومات عن جيش مكة قبل بدر

وعند الماء في بدر، وجدوا غلامين تابعين لجيش المشركين يستقيان فاقتادوهما إلى المعسكر النبوي، حيث استجوبهما الرسول، وعرف منهما عن جيش العدو ما يجب أن يعرفه قائد عن جيش عدوه ..

__________

(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، غنى عن التعريف، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، هاجر الهجرتين، وقتل في فتنة الجمل بعد أن خرج تاركًا القتال ومقتنعًا بأنه غير مصيب في موقفه من علي، قتله عمرو بن جرموز غدرًا في وادي السباع، وكان قتله سنة ست وثلاثين وله من العمر ست أو سبع وستون سنة.

(2) هو سعد بن مالك بن أهيب الزهري، غنى عن التعريف كان سابع سبعة في إسلامه، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان على غاية من الورع ومراقبة الله، اعتزل الفتنة ولم يقاتل مع أي مع الأطراف المتنازعة بعد مقتل عثمان، مات سنة ثمان وخمسين هجرية على خلاف في ذلك.

 

فقد سأل الرسول الغلامين عن مكان جيش مكة فقالا … هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.

فقال لهما: كم القوم، قالا كثير، فقال ما عدتهم؟ قالا: لا ندري قال كم ينحرون كل يوم (أي من الإبل)؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.

فقال الرسول لأَصحابه: القوم فيما بين التسعمائة والأَلف.

ثم سأَل الغلامين عمن في الجيش من أَشراف مكة وقادتها.

فأَخبراه أَن منهم القادة – عتبة بن ربيعة وشيبة أَخاه وأَبا جهل بن هشام، وأَبا البحترى بن هشام وأُمية بن خلف والعباس بن عبد المطلب (1)، وسهيل بن عمرو، ونبيه ومنبه أَبناء الحجاج وغيرهم أَشراف مكة.

وهنا تأكد الرسول من قوة جيش العدو وضخامته، والتفت نحو قادة جيشه قائلا:

“هذه مكة قد أَلقت إليكم أَفلاذ كبدها ” – (يعني من بجيش مكة من قادتها وأَشرافها).

 

نموذج من الشورى الصحيحة في بدر

وفي اليوم السادس عشر من شهر رمضان المبارك للسنة الثانية من

__________

(1) هو العباس بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم غني عن التعريف، شهد بدرًا مع المشركين مكرها، فأسر، وفيه قال النبي “من أذى العباس فقد آذاني” أسلم وهاجر قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة وثبت يوم حنين مع النبي عند انهزام المسلمين عند الصدمة الأولى، مات بالمدينة سنة اثنين وثلاثين.

 

الهجرة، تحرك الرسول – صلى الله عليه وسلم – بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه.

وفي أثناء هذا التحرك، حدثت حادثة، تجلت فيها ديمقراطية الرسول (إن صح هذا التعبير)، فقد نزل الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالجيش بماء من مياه بدر، رأَى أَحد القادة أَنه ليس من المصلحة الحربية النزول فيه، وهذا القائد، هو الحباب بن المنذر الأَنصاري (1)، الذي قال (ناصحًا كخبير عسكرى) يا رسول الله:

أَرأَيت هذا المنزل، أَمنزلا أَنزلكه الله، ليس لنا أَن نتقدمه، ولا نتأَخر؟ أَم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ؟ .

فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

فقال الخبير العسكري (الحباب):

يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأْتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور (أَى نخرّب) ما وراءَه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.

فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم – “لقد أَشرت بالرأْى”، ونهض بالجيش فسار حتى إذا أَتى أَقرب ماء من العدو، نزل عليه ثم أَمر بالقلب فغوّرت (حسب رأْي الحباب بن المنذر) ثم بنى حوضًا علي القليب الذي نزل عليه فملى ماءً.

__________

(1) هو الحباب بن المنذر بن الجموح الخزرجي الأنصاري، وهو الذي قال يوم السقيفة بعد موت النبي (أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب)، مات في خلافة عمر، وقد زاد على الخمسين.

 

الكشافة في جيش العدو قبل بدر

أَما قريش فبعد أَن اطمأَنت في معسكرها بالعدوة القصوى من الوادي بثت سلاح استكشافها حول جيش المدينة، للتعرف علي حقيقته ومدي قوته، فدار عمير بن وهب (1) أَحد رجال استخبارات جيش مكة، حول جيش المدينة، ثم عاد إلى قريش ليخبرهم أَن جيش محمد هو ثلاثمائة مقاتل يزيدون قليلا أَو ينقصون قليلا، ثم ضرب بفرسه راكضًا خلف جيش المسلمين، للاستكشاف فيما إذا كان هناك كمين يحمى ظهور المسلمين أو عدهم عنداللزوم، ولكنه عاد وطمأَن قريش بأن لا وجود لأَي كمين للمسلمين.

 

البلايا تحمل المنايا قبل بدر

غير أنه (كخبير عسكري) نصح قادة مكة وحذرهم قائلا يصف رجال جيش محمد – صلى الله عليه وسلم -:

لقد رأيت البلايا تحمل المنايا … نواضح (2) يثرب تحمل الموت الناقع (3)، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأَ إلا سيوفهم، والله ما أَري أَن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أَصابوا منكم أَعداءَهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ ؟ فروا، رأْيكم.

__________

(1) هو عمير بن وهب بن خلف الجمحي القرشي، كان من شياطين قريش، ذهب إلى المدينة بعد وقعة بدر لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم فهداه الله للإسلام، فصار من أكبر دعاته وأنصاره.

(2) النواضح: الإبل التي يستقي عليها.

(3) موت ناقع، دائم.

 

الانشقاق الثاني في جيش مكة قبل بدر

وعند سماع كلام قائد سلاح الاستكشاف (عمير بن وهب) قامت معارضة أُخرى ضد أَبي جهل تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال.

وكانت هذه المعارضة، أكبر من المعارضة إلى قادها الأَخنس بن شريق ضد أَبي جهل في منطقة رابغ ورجع على أَثرها إلى مكة بقبيلة بني زهرة قبل الوصول إلى بدر.

قاد هذه المعارضة الأَخيرة عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس سانده حكم بن حزام، فقد كأن رأْي هذه المعارضة التي ظهرت (قبل نشوب المعركة) بيوم أَو بعض يوم، تحاشي الاصطدام مع جيش المدينة، وموادعته والرجوع إلى مكة دونما قتال.

فقہل مشى حكيم بن حزام (1) بين قادة جيش مكة يدعو لتأْييد هذه المعارضة.

 

أنت كبير قريش وسيدها

فقد أَتى حكيم عتبة بن ربيعة الأُموي (أَول قتيل يوم بدر بين الصفين) وقال … يا أَبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها المطاع، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك؟ قال ترجع باناس وتحمل أَمر حليفك عمرو بن الحضرمي (2).

__________

(1) هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى: ابن أخي خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، كان من سادات قريش، وكان صديقًا للنبي قبل البعثة، أسلم عام الفتح، مات سنة ستين هجرية في خلافة معاوية.

(2) عمرو هذا هو الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش في آخر يوم من رجب سنة اثنين هجرية وكان حليف بني عبد شمس بن عبد مناف.

 

فقال عتبة: قد فعلت أَنت على – أَى ضامن على – بذلك، إنما هو حليفي فعلي عَقْلُه (أي ديته) وما أُصيب من ماله، وطلب عتبة من حكيم أَن يقنع أَبا جهل الذي فرص نفسه على الجيش قائدًا، لأَنه يخشي عناده ومكابرته قائلا: فأْت ابن الحنظلية – يعني أَبا جهل -: فإِني لا أَخشي أَن يشجر أَمر الناس غيره.

 

عتبة يخطب في جيش مكة قبل بدر

ثم وقف عتبة بن ربيعة خطيبًا في الجيش قائلا، وداعيًا إلى انسحاب دونما ققال:

يا معشر قريش .. إنكم والله ما تصنعون بأَن تلقوا محمدًا وأَصحابه شيئًا. والله لكن أَصبتموه، لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، لأَنه قتل ابن عمه أَو ابن خاله أَو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه، فذاك الذي أَردتم، ولن كان غير ذلك أَلفاكم سالمتموه.

 

ركب الجمل الأحمر قبل بدر

وقد جاءَت محاولة عتبة السلمية هذه مصداقًا لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال عند ما رأَي جيش مكة … إن يكن في أَحد من القوم خير في راكب الجمل الأَحمر. إن يطيعوه يرشدوا، وكان راكب الجمل الأَحمر هذا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صاحب هذه المحاولة السليمة.

 

ثورة أبي جهل

ولكن أَبا جهل لم يكد يعلم بدعوة عتبة بن ربيعة السلمية حتى استشاط غضبًا، ثم اتهم عتبة بالجبن، والخوف على ابنه من القتل.

فقال لحكم بن حزام الذي كان رسول عتبة إليه … قد انتفخ الله سحره (1) حين رأَي محمدًا وأَصحابه … كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وما بعتبة ما قال ولكنه رأَي أَن محمدًا وأَصحابه أَكلة جزور، وفيهم ابنه فتخوفكم عليه (وكان أَبو حنيفة بن عتبة موجودًا وجيش المسلمين، لأَنه من السابقين الأَولين والإِسلام)، ثم تزايد غضب أَبي جهل وجرّد سيفه في عصبية زائدة ثم ضرب به متن فرسه، فقال له أَيماء (2) بن رحضة الغفاري وقد رأَى الشر في وجهه: بئس الفأْل هذا.

ولما بلغ عتبة قول أَبى جهل انتفخ والله سحره – وهي كلمة يقولها العرب لمن غلبه الخوف واستبد به الفزع – سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو.

وهكذا ولأَمر يريده الله، تغلَّب الطيش على الحكمة والرويَّة، فهزمت معارضة صاحب الجمل الأحمر، وتغلب رأْى أَبى جهل، فحمل جيش مكة على الاصطدام بجيش المدينة.

__________

(1) السحر -بفتح السين وسكون الحاء- الرئة وما حولها وانتفاخها كناية عن شدة الخوف وتمكن الفزع.

(2) أيماء الغفاري هذا كان قد أهدي لجيش مكة عشرة جزائر فنحروها ثم أرسل ابنه ليبلغهم أن غفار مستعدة لمدهم بالمتطوعين والسلاح قائلا (إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا، فشكروه، وقالوا له: إن كنا إنما نقاتل الناس ما بينا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة).

 

الحقد الأسود قبل بدر

لقد كان أَبو جهل من أشد الناس حقدًا على المسلمين وبغضًا لنبيهم، وكان يتميز غيظًا لتمكن النبي من الإِفلات من قبضة المشركين في مكة، وكان هو صاحب الاقتراح الذي وافق عليه المؤتمرون بدار الندوة، والذي يقضي بقتل النبي قبل خروجه من مكة.

لهذا اعتبر تقابل الجيشين – مع التفاوت في العدد والعدة – فرصة ذهبية، لعله ينال فيها ما يشفى غليله، بالفتك بالمسلمين في المعركة التي قضي علي كل محاولة قامت للحيلولة بين قريش وبين خوضها.

 

أَبو جهل والأخنس بن شريق

ومع أَن أَبا جهل يعلم أن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – لا يكذب فقد أَبى عليه حقده الأَسود إلا مقاتلته، فقادته رعونته إلى مصرعه.

فقد روى المؤرخون أَن الأَخنس بين شريق – الذي رجع ببني زهرة إلى مكة من منطقة رابغ – خلا بأَبي جهل هنالك، وقال له:

يا أَبا الحكم أَتري محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) يكذب؟ ؟

فقال أَبو جهل: كيف يكذب علي الله، وقد كنا نسميه الأَمين، لأَنه ما كذب قط. ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ ؟

 

لا في العير ولا في النفير قبل بدر

وهنا يقال إن الأخنس بن شريق الثقفي، انخنس -أي انفصل-

ببنى زهرة عن جيش مكة وعاد بهم دون أن يشهد أحد منهم بدرًا، وكانوا ثلاثمائة رجل.

وبنو زهرة هؤلاء، هم الذين قال فيهم أَبو سفيان تلك الكلمة التي ذهبت مثلًا – يا بني زهرة لا في العير ولا في النفير – لأَنهم لم يحضر أَحد منهم معركة بدر لم يكن أَحد منهم في العير إلى كانت سبب المعركة (1)، وكان أَبو سفيان قد لحق بقريش وشهد معركة بدر بعد أَن وصل العير إلى مكة، وقد كان أَحد الذين جرحوا يوم بدر.

 

أَبو جهل يعجل بمعركة بدر

على أَن أَبا جهل لم يكتف بما قاله من تقريع وتوبيخ لقطبى المعارضة (عتبة وحكم) ولم يكتف بإعلان معارضته، لدعوتهما السلمية، بل لخوفه من قيام معارضة أُخرى في الجيش، دفع به شيطانه إلى التعجيل بالمعركة، ليجعل الناس أَمام الأَمر الواقع، بحيث يصعب عليهم التراجع عن خوضها. فعقب سماعه بدعوة المعارضة إلى موادعة جيش المدينة والانسحاب إلى مكة دون قتال، استدعى عامر بن الحضرى (2) الذي قتل المسلمون أَخاه في سرية عبد الله بن جحش، وطلب منه أَن يقف في الجيش ليستنهض هممهم لمحو العار عن حليفهم. بالأَخذ بثأر أَخيه من قاتليه المسلمين.

__________

(1) وفي هذا القول نظر، لأن مخرمة بن نوفل الزهري كان أحد الذين سافروا مع العير إلى الشام وعادوا معها.

(2) وقد قتل ابن الحضرى هذا في هذه المعركة.

 

ابن الحضيري يشعل الفتيل

فقد قال أَبو جهل: يا ابن الحضري، هذا حليفك -يعني عتبة بن ربيعة- يريد أَن يرجع بالناس وقد رأْيت ثأْرك بعينك، فقم فانشد خفْرتك (1) ومقتل أَخيك.

ولم يخب ظن طاغية قريش، فقد نفخ الشيطان في مناخر ابن الحضرى، فوقف (متكشفًا) يصرخ بأَعلى صوته في جيش مكة واعمراه وهذه الكلمة وحدها – في قانون الجاهلية – كافية لإشعال نار الحرب، لا سيما في مثل ذلك الجو المتوتر.

 

الأمر الواقع في بدر

وهنا غلى الدم الجاهلى في عروق الشرك واشتط الكفر بالعواطف العمياء، فجمحت جموحًا استقر بأَصحابها في المعركة الدامية.

وتم لأَبي جهل ما أَراد حيث أفسد على عقلاء قومه خطتهم السلمية، وظهرت نذر الشر، تنذر بقرب المعركة ولم يسع الناس – حتى رجال المعارضة – إلا أَن يحملوا سلاحهم لخوض المعركة، لأَن أَبا جهل، بتصرفاته الرعناء جعلهم أَمام الأَمر الواقع.

ولبس زعيم المعارضة – عتبة بن ربيعة – كامل سلاحه وهو يقول – مخاطبًا أبا جهل – سيعلم من انتفخ سحره، أَنا أَم هو؟ ؟ .

 

حرس قيادة الرسول في بدر

أما من ناحية المسلمين، فبعد أَن تمركزوا في المكان الذي اختاره

__________

(1) خفرتك، بضم الخاء وسكون الفاء، عهدك.

 

الحباب بن المنذر، اقترح حامل لواء الأَنصار – سعد بن معاذ – على النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبنى المسلمون مقرًا لقيادته. واقترح القائد الأَنصاري – استعداد للطوارئ وتقديرًا للهزيمة قبل النصر – أَن يكون مقر هذه القيادة بمثابة خط رجعة يستطيع الرسول الانسحاب منه واللحاق بالمدينة بسلام، إذا ما قدر لجيش الإسلام أن ينهزم.

 

مقر قيادة الرسول في بدر

فقد قال سعد بن معاذ، يا رسول الله. أَلا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا؟ فإن أَعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحبنا، وإن كانت الأُخرى جلست إلى ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك قوم، يا نبي الله , ما نحن بأَشد لك حبًّا منهم، ولو ظنُّوا أَنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك (1) فوافق الرسول – صلى الله عليه وسلم – على هذا الاقتراح ودعا للقائد الأَنصاري بخير، وتم بناءُ مقر القيادة، عريشًا بناه جنود الإِسلام في مكان مناسب، وهو مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ويشرف على ساحة المعركة.

وتم إنشاء حرس لقيادة الرسول، فرقة تم انتخابها من فتيان الأَنصار، وقفوا بقيادة سعد بن معاذ نفسه يحرسون الرسول – صلى الله عليه وسلم – حول مقر قيادته.

__________

(1) أيام العرب في الإسلام ص 12.

 

دعاء أبي جهل قبيل معركة بدر

تهيأَت قريش للمعركة، وخرج أَبو جهل يحث الناس على القتال وقد روى ابن إسحاق أن أبا جهل، قبيل نشوب المعركة دعا الله قائلا:

اللهم اقطعنا للرحم وآتينا بما لا نعرف. فاحنه الغداة (1)، وقد كان المشركون عند خروجهم من مكة إلى بدر، أَخذوا بأَستار الكعبة ودعوا بهذا الدعاء:

اللهم انصر أَهدى الفئتين وأَعلى الجندين وأَكرم الحزبين، وأَفضل الدينين. ولا شك أن الله قد أجاب دعاءهم، فهزم المشركين ونصر رسوله.

وفي دعاء المشركين هذا نزل قول الله تعالى {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} (2).

 

الرسول يخطب في جيشه قبل معركة بدر

وقد خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – يهنئ أَصحابه للقتال، وأَلقى عليهم كلمة قبيل المعركة قال فيها: “والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة” (3).

وهنا ظهر نموذج من الإيمان الصادق الذي لا يقف في طريقه شيء فقد كان عمير بن الحمام (4) أَخو بني سلمة واقفًا في الصف، وفي يده

__________

(1) أي اجعل حينه غدًا.

(2) الأنفال آية 19.

(3) أيام العرب في الإسلام ص 16.

(4) عمير بن الحمام -بضم المهملة وتخفيف الميم- ابن الجموح الأنصاري السلمي، كان أول قتيل قتل في سبيل الله ويقال إن أول قتيل قتل في المعركة، مهجع مولى عمر بن الخطاب.

 

تمرات يريد أكلهن، ولكنه بعد أن سمع كلمة الرسول – صلى الله عليه وسلم – قذف بهذه التمرات قائلًا:

“بخ بخ، فما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء” ثم أَخذ سيفه وغاص في المشركين يقاتل حتى قتل.

 

تقديم الرسول نفسه للقصاص قبل بدر

وبينما كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعدل صفوف جيوشه، مر بسواد بن غزية وهو خارج عن الصف فطعن في بطنه بعود كان في يده قائلا – استو يا سواد -، وهنا تظاهر سواد بالاحتجاج على الرسول – صلى الله عليه وسلم – قائلًا: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، ثم طلب من الرسول أَن يعطى القصاص من نفسه، قائلا: أَقدنى، فلم يتردد – صلى الله عليه وسلم – , في أن يعطى القصاص من نفسه، فقد كشف عن بطنه – صلى الله عليه وسلم – ليقتص منه سواد قائلا له، استقد – أَي اضربني كما ضربتك.

ولكن سواد بدلا من أَن يطعن في بطن الرسول قصاصًا، أَخذ يقبلها، فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ما حملك على هذا يا سواد؟ .

قال … يا رسول الله، حضر ما ترى – يعني القتال – فأَردت أَن يكون آخر العهد بك أَن يمس جلدي جلدك، فدعا له الرسول بخير.

 

ساعة الصفر قبل بدر

وبعد أَن عدل الرسول – صلى الله عليه وسلم – الصفوف وهيأَها للقتال أَصدر أوامره إِلى جيشه بأَن لا يبدأُوا القتال حتى يتلقوا منه الأَوامر الأَخيرة, فقال لهم:

 

“إن اكتنفكم العدو (أَي أَحاط بكم) فانضحوهم بالنبل”.

وبعد ذلك رجع إلى مقر قيادته وفي معيته مستشاره الأَمين الصديق الأَكبر (1)، ووقفت على مقر قيادته كتيبة الحراسة من فتيان الأَنصار بقيادة سعد بن معاذ.

ثم توترت الحالة واربد جو المعركة بدخان الموت، وأَخذت الصفوف تقترب من بعضها، وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – وجلا على مصير المسلمين، لأَنه – أكثر من غيره – يقدر نتائج مثل هذه المعركة، ويعرف أَن هزيمة المسلمين معناها هزيمة الإِسلام إلى الأَبد.

لهذا لجأَ – صلى الله عليه وسلم – إلى ربه وأَبلغ في الدعاء قائلا: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة – يعني المسلمين – لا تعبد بعدها في الأَرض (2).

 

أول وقود معركة بدر

وبعد أَن تواجه الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن ضج الصحابة بصنوف الدعاء، إلى رب الأَرض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاءِ (3).

وكان أول وقود المعركة هو أَحد فدائي المشركين .. الأَسود بن

__________

(1) أبو بكر الصديق واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو التيمي القرشي، أشهر من أن يعرف، خليفة رسول الله، ولد بعد الفيل بسنتين، كان أول من أسلم من الرجال، وفيه قال الرسول، من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر، تولى الخلافة بعد رسول الله، مات يوم الإثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.

(2) البداية والنهاية 3 ص 272.

(3) فقه السيرة.

 

عبد الأَسد المخزومي , كان رجلت شرسًا سيئ الخلق , فقد عاهد الله, ليشربن من حوض المسلمين أَو ليهدمنه أَو ليموتن دونه.

لذلك انقض من صفوف المشركين، متحديًا المسلمين، زاحفًا نحو الحوض ليبر بقسمه, ولكن حمزة بن عبد المطلب , أَسرع من صفوف ے المسلمين فاعترضه، وعاجله – قبل أَن يصل إلى الحوض – بضربة من سيفه، بترت قدمه مع نصف ساقه، فجثا في إصرار وعناد، وزحف نحو الحوض حبوًا ليبر بقسمه، ولكن حمزة رضي الله عنده (1) ثنى عليه بضربة أُخرى أَتت عليه وهو داخل الحوض.

فإن هذا المخزوي أَول قتيل في المعركة، وكان قتله بمثابة الفتيل التي أَشعل نار المعركة.

فقد خرج بعد ذلك من صفوف المشركين ثلاثة من فرسان قريش وخيرة محاربيهم، ومن عائلة واحدة، وهم:

شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وابنه الوليد، وكلهم من أَبناء عبد مناف جد النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وبعد أَن تمركز هؤلاء الأَمويون الثلاثة بين الصفين دعوا المسلمين إلى المبارزة, فسارع بالخروج إليهم ثلاثة من فتيان الأَنصار , وهم عوف ومعوذ أَبناء عفراء (2) , وعبد الله بن رواحة (3) وكما هي عادة

__________

(1) هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثوبية مولاة أبي لهب، كان شجاعًا مهيبًا، وكان من السابقين الأولين في الإسلام، نصر رسول الله في كل موطن حتى استشهد في معركة أحد، قتله عبد حبشى واسمه وحشى، قذفه بحربة على بعد منه، فأصابت ثنته وخرجت من بين رجليه رضي الله عنه.

(2) معوذ وعوف أبناء عفراء الخزرجيين استشهدا يوم بدر واشترك معوذ في قتل أبي جهل.

(3) هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجى الأنصاري أحد السابقين إلى الإسلام=

 

المبارزة، سأَل القرشيون هؤلاءِ الثلاثة من أَية قبيلة هم؟ ؟ .

فانتسبوا لهم، وعندما علموا أَنهم من الأَنصار، أَثنوا عليهم وقالوا أَكفاءٍ كرام , ولكنهم رفضوا مبارزتهہم، وطلبوا منهم العودة إلى صفوفهم قائلين .. إنما نريد أَكفاءنا من قومنا، فرجع الأَنصار الثلاثة إلى صفوفهم دونما قتال.

 

تصارع الأسرة بين الصفين في بدر

ولما علم الرسول برغبة فرسان المشركين الثلاثة أَصدر أَمره إلى ثلاثة من أُسرتهم وهم، حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث (1)، وعلي بن أَبي طالب وكلهم من بني عبد مناف، أَمرهم بالخروج إلى أَقربائهم لمبارزتهم حسب رغبتهم، فخرجوا إليهم في الحال، وبعد أَن انتسبوا لهم وتأَكدوا من أَنهم من أُسرتهم. قالوا. أَكفاء كرام ..

ثم أَنشبوا الصراع بينهم. فانفرد كل واحد منهم بصاحبه الذي اختاره ورضيه، فبارز الوليد عليًّا وكانا أَصغر المتبارزين، وبارز عبيدة شيبة. أَما حمزة فقد بارز عتبة.

أَما علي فلم يمهل صاحبه أَن قتله، وكذلك حمزة فقد قضى على خصمه عتبة في الحال، أَما عبيدة – وكان أَسن القوم – وشيبة فقد ضرب كل

__________

= وكان أحد النقباء الذين تولوا إبرام معاهدة العقبة في منى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، تولى قيادة الجيش في معركة مؤتة في الأُردن واستشهد في تلك المعركة إلى أدارها ضد القوات الرومانية.

(1) هو عبيدة بن الحرث بن المطلب بن عبد مناف، كان من السابقين في الإسلام، وكان رأس بني عبد مناف، كان ثاني مسلم حمل راية في الإسلام، جرح في هذه المبارزة ومات متأثرًا بجرحه في وادي الصفراء، أثناء عودة الجيش إلى المدينة.

 

منهما صاحبه ضربة مميتة لم يقو على التحرك بعدها من مكانه، فمات شيبة مكانه، واحتمل علي وحمزة عبيدة إلى معسكر المسلمين، ومخ فخذه المبتور يسيل، وما لبث طويلًا أَن لفظ أَنفاسه الكريمة بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (1). وبينما كان يجود بنفسه – ورأسه علي قدمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال يا رسول الله، لو رآني أَبو طالب، لعلم أَني أَحق بقوله:

ونسلمه حتى نصرع دونه … ونذهل عن أَبنائنا والحلائل

 

البداية السيئة قبل بدر

كانت نهاية هذا المبارزة بداية سيئة للمشركين، حيث فقدوا في المرحلة الأُولى من المعركة ثلاثة من قادتهم وخيرة فرسانهم, فقد كان مصرع هؤلاءِ الفرسان الثلاثة بمثابة ضربة موجعة مثيرة.

 

الهجوم العام في بدر

لذلك استشاط المشركون غضبًا، وشدوا على المسلمين شدة رجل واحد – بعد أَن مهدوا لهجومهم بسيل منهمر من سهامهم، صبوه على صفوف المسلمين , ثم اندفعوا نحوهم وبهہذا اندلعت نيران المعركة ولمعت السيوف في النقع وكأَنها الكواكب تهوى في الظلام.

 

المسلمون في موقف الدفاع في معركة بدر

وتلقى المسلمون هجوم المشركين وهم مرابطون في مواقعهم، كما

__________

(1) مات عبيدة رضي الله عنه (والمسلمون عائدون إلى المدينة بوادى الصفراء).

 

أَمرهم الرسول الذي قال لهم (قبيل نشوب المعركة): إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل، ولا تحملوا حتى تؤذنوا.

ولقد كان لهذه الخطة الحربية الحكيمة التي وضعها الرسول – صلى الله عليه وسلم -، أَكبر الأَثر في تعزيز موقف المسلمين وإضعاف عدوهم.

وذلك أَن المسلمين -بوقوفهم موقف الدفاع- عندما بلغ الهجوم القرشي ذروته، قد أَلحقوا بالمشركين خسائر فادحة، أَثناء هجماتهم المتتالية التي شنوها في حنق على صفوف المسلمين التي ظلت ثابتة تصارع مكانها، حتى استنفدت ما عند العدو من حماس وعزيمة.

 

الهجوم المضاد للمسلمين في بدر

وبعد أَن ذهبت حدة هجمات العدو وفتر حماس جنده، صدرت الأَوامر إلى كتائب الإِسلام أَن يهجموا على العدو.

فقاموا بهجوم مضاد كاسح فاتسع نطاق المعركة، بعد أَن مالت صفوف المسلمين المنظمة على جموع المشركين، التي بعثرها تكرار الهجمات الفاشلة التي لم يفلح بها المشركون في إزاحة طوابير المسلمين عن مراكزها.

وبينما كانت المعركة محتدمة والفوارس وسط أَتونها بين كر وفر، كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – في مقر قيادته يرقب بسالة جنوده وجلد قواده في إشفاق ورجاءٍ.

روى البخاري أَن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان وقت اشتداد المعركة يقول (وهو في مقر قيادته، متوجها إلى ربه) اللهم أَنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن

 

شئت لم تعبد بعد اليوم أَبدًا، فأَخذ أَبو بكر بيده – وكان معه في المقر – وقال: حسبك يا رسول الله أَلححت على ربك.

قال ابن إِسحاق: وخفق النبي – صلى الله عليه وسلم – خفقة في العريش (أَي أَدركهـ النعاس) ثم انتبه فقال .. أَبشر يا أَبا بكر أَتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع.

وقد اشتركت الملائكة في المعركة لتقوية الروح المعنوية في نفوس المسلمين، وقد أَشار القرآن الكريم إلى هذا بقوله:

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1).

ويظهر أَن الملائكة لم يشتركوا في القتال وإنما جاءُوا لتقوية قلوب المسلمين ورفع روحهم المعنوية، وهذا ما يفهم من قوله تعالى {وما جعله الله لا بشري لكم ولتطمئن به قلوبكم} (2).

 

النبي في معركة بدر

وعندما استعر لهيب المعركة اقتحمها النبي – صلى الله عليه وسلم – بنفسه وراع المشركين أَن رأَوا النبي القائد يخوض غمار المعركة بنفسه. ومعه حرس قيادته وعامة أَصحابه يندفعون نحو عدوهم كالسيل، يدمرون كل قوة تقف في طريقهم، والنبي في مقدمتهم، يثب في درعه وهو

__________

(1) الأَنفال آية 9, 10.

(2) قال الشوكانى في تفسيرة عند تفسير هذه الآية – وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم وتطمين قلوبهم وتثبيتها.

 

يقول {سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أَدهى وأَمرُ}.

 

الهزيمة الساحقة في بدر

وبعد قتال مرير ضار ظهرت علامات الاضطراب في صفوف المشركين غير المنظمة، وأَخذت هذه الصفوف – أَمام حملات المسلمين العنيفة – تتهدم كجدران الطين العتيقة التي تخلل الماءُ أُصولها.

وهكذا اقتربت المعركة من نهايتها، فدب الهلع في نفوس قريش، ثم أَخذت جموعها في الفرار فعمت الهزيمة وركب المسلمون ظهور المشركين يأْسرون ويقتلون، وصاح النبي – وهو يرى صرح الطغيان يتحطم، وكبرياء الجاهلية يتمرغ في وحل الهزيمة – “شاهت الوجوه”.

 

صمود أبي جهل وعناده في بدر

 

ولقد حاول أَبو جهل – عندما بدأَ التصدّع في صفوف جيشه – حاول أَن يصمد في وجه سيل الهزيمة النازل بجيش مكة ويوقفه , فأَخذ يصرخ (في عناد وشراسة ومكابرة) خذوهم أَخذًا , واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّق محمدًا وأَصحابه في الجبال.

ولكن أَنى لصيحات الطيش والغرور هذه أَن تفيد، وقد عمت الهزيمة وحال وقعها المزلزل بين صوت أَبي جهل العنيد المكابر، وبين الوصول إلى سمع أَى فرد من أَفراد جنوده الذين بعثرتهم الهزيمة المدمِّرة هنا وهناك.

 

مصرع أبي جهل في بدر

ومن الناحية العسكرية فإنه لا يسع المنصف إلا أن يعترف لهذا الطاغية بالشجاعة الفذة، وأنه على مستوى أولئك القادة الشجعان الذين لا يهابون الموت عندما تلمع بروقه وتهدر رعوده، فقد أثبت أبو جهل (1) (يوم بدر) أنه مثال ناطق للعناد والمكابرة، فقد ظل – بالرغم من نزول الهزيمة الساحقة بجيشه – يقاتل في شراسة وعناد وهو يقول:

ما تنقم الحرب الشَّموس منِّي … بازِل عامين حديث سنِّي

لمثل هذا ولدتني أمي

وثبت معه جماعة من هيئة أركان حربه – فيهم ابنه عكرمة (2) وأخذوا يذبون عنه وضربوا حوله سياجًا من سيوفهم وأقاموا حواليه غابات من رماحهم يصدون بها كل من حاول الوصول إليه.

ولكن العاصفة كانت أقوى.

__________

(1) واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي كان رأس الكفر وحامل لواء العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد فرض نفسه قائدًا عامًا لجيش الشرك يوم بدر فأخزاه الله.

(2) كان عكرمة كأبيه من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبرز الساعين لمعركة أحد والمحرضين عليها ضد المسلمين، وقد أهدر النبي دمه بعد فتح مكة، فلحق باليمن، ولكنه عاد إلى مكة فعفا عنه الرسول، ثم أسلم وصار من أبطال الإسلام وأشد المحاربين في جانبه، قاد عدة حملات ضد المرتدين في جنوب الجزيرة، وقد أخضع المرتدين في حضرموت، شهد معركة اليرموك، وكان قائد كتيبة الفدائيين التي ألفها أثناء المعركة عندما اشتد ضغط الهجوم الروماني على صفوف المسلمين وكاد يحطمها، فقد نادى عكرمة آن ذاك، لقد قاتلت رسول الله في كل موطن وأفر اليوم لا والله، ثم نادى من يبايعني على الموت، فانضوى تحت لوائه أربعمائة، منهم سليمان بن خالد بن الوليد، فقذف بهذه الكتيبة الانتحارية حيث قوة الهجوم الروماني فأوقفه فأباد الرومان هذه الكتيبة، بما فيها عكرمة نفسه ولكن هذه الإبادة كانت ثمنًا لنصر حاسم ساهمت هذه الكتيبة في تحقيقه للمسلمين وكان ذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر.

 

فقد مزقت رياح النصر العاتية، سياج السيوف، واقتلعت غابات الرماح المزروعة حول أبي جهل حيث طارت هذه الرماح أمام حماس المسلمين وقوة بأسهم، وتخلى حرس الشرك عن قائده، أمام ضغط المسلمين المتزايد، الذين ساد هتافهم أرجاء المعركة وهم يرددون: أحد أحد.

وأهوت سيوف الإسلام إلى دعامة الشرك الكبرى، فخر أبو جهل صريعًا يتخبط في دمه، بعد أن قاتل قتالا ضاريًا.

 

قاتل أبي جهل

وكان الذي صرع أبا جهل هو معاذ بن عمرو (1) بن الجموح الأنصاري، فقد عرفه وهو وسط غابة من الرماح التي أقامها أركان حربه حوله، فظل يترقبه، حتى سنحت له الفرصة، عندما بانت له فرجة في نطاق الرماح المضروبة حوله، فانقض نحوه كالصقر ثم ضربه ضربة بترت قدمه مع نصف ساقه، فخر صريعًا يتخبط في دمه (2)

__________

(1) هو معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد الخزرجى الأنصاري، أحد الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة.

(2) قال ابن إسحاق: وكان أول من لقى أبا جهل -كما حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضًا قد حدثني ذلك، قالا .. قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة .. سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون .. أبو الحكم لا يخلص إليه، قال .. فلما سمعتهم جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه (أي أطاراتها) بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة (أي بذرة التمر) تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، قال … وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهدني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل (وهو عقير) معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركهـ وبه رمق.

 

غير أن ابنه عكرمة الذي كان بجانبه كر على ابن الجموح فضربه بسيفه ضربة فصلت يده من العاتق، وبالرغم من ذلك ظل البطل يقاتل بيد واحدة وعاش حتى أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه.

أما أبو جهل فقد شغل عنه قومه الفرار بأنفسهم، فتركوه صريعًا بالعراء ومر به معوذ بن عفراء فأوجعه طعنًا وتركه يجود بنفسه، وتفرق المشركون من صناديد مكة وفرسانها منهزمين بعده بددًا، فاستقبلتهم فجاج الصحراء، وكأنهم غزلان أهاجها الصياد.

 

حماقة أبي جهل في بدر

 

وهكذا جنت قريش ثمار حماقة أبي جهل ورعونته، حيث هزمت هزيمة لم تعرف مثلها في تاريخها الطويل.

لقد فر المشركون بعد أن مزقتهم سيوف الإسلام، فتاهوا في الوديان والوهاد فرارًا بأرواحهم، بعد أن تركوا سبعين قتيلا في ساحة المعركة، وسبعين أسيرًا تحت رحمة المسلمين.

 

الأسرى من بني هاشم في بدر

 

وقد وقع في أسر المسلمين عدة من رجالات بني هاشم اشتركوا في المعركة ضد المسلمين بعد أن خرجوا من مكة مكرهين، وكان على رأس هؤلاء الأسرى العباس بن عبد المطلب عم النبي – صلى الله عليه وسلم -. وكان النبي قد أصدر أمره – قبل نشوب المعركة – بأن لا يقتل جنده أحدًا من بني هاشم، ممن خرجوا مع قريش.

وقد جاء في أمره هذا قوله ..

 

إني عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى أحد منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله. ومن لقي أبا البحتري بن هشام فلا يقتله.

 

الابن يقاتل أباه في بدر

 

وكان أبو حذيفة (1) بن عتبة بن ربيعة رضي الله عنه موجودًا في جيش المسلمين، فقال عند سماع الأمر النبوي أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس؟ ؟ والله إن لقيته لألحمنه بالسيف (2)، وكان عتبة بن ربيعة، والد أبي حذيفة المذكور، وعمه شيبة وابن عمه الوليد أول من قتل من المشركين مبارزة.

وعندما بلغت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مقالة أبي حذيفة قال – وعنده عمر بن الخطاب (3) حاضرًا – يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله؟

فقال عمر، يا رسول الله دعني أضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق، ولكن الرسول لم يسمح بأن يمس أبو حذيفة بأي أذى.

__________

(1) أبو حذيفة، اسمه هشيم وقيل هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، كان من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وكان طوالا حسن الوجه، دعا أباه عتبة إلى البراز يوم بدر فامتنع، قتل شهيدًا في محاربة المرتدين في اليمامة.

(2) الحمتك عرض فلان، أمكنتك منه، وألحمته سيفي مكنته منه.

(3) هو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، غنى عن التعريف، ثانى الخلفاء الراشدين أشهر من أن نعرف الناسل به، تولى الخلافة بعد أبي بكر وبويع له بها سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فسار أحسن سيرة، وكان مثلًا أعلى في العدل والنزاهة والورع، قتل في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، طعنه الشقى أبو لؤلؤة، فيروز الفارسى غلام المغيرة بن شعبة بعد أن كبر يصلى بالناس، وقتل أبو لؤلؤة بعد أن طعن ثلاثة عشر رجلا في المسجد مات منهم ستة رضي الله عنهم.

 

وقد ندم أبو حذيفة رضي الله عنه على ما بدر منه، وكان يقول دائمًا – ما آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها على الشهادة، فقتل شهيدًا يوم اليمامة رضي الله عنه.

 

الاعتراف بالجميل لغير المسلم في بدر

 

وقد نفذت تعليمات الرسول – صلى الله عليه وسلم – فلم يقتل أحد من بني هاشم في جيش المشركين، ولكن الرسول إذا كان قد أمر بعدم قتلهم، فإنه لم يمنع المسلمين من أسرهم ووضعهم في القيود، فقد أُسروا جميعهم وسيقوا في القيود مع الأَسرى إلى المدينة.

أما أبو البحتري بن هشام – وهو غير هاشمي – فقد نهى الرسول عن قتله، اعترافًا بفضله وتقديرًا لمواقفه المشرفة التي وقفها أيام محنة الإسلام في مكة، قبل الهجرة، حيث لم يصدر منه أي إيذاءٍ للرسول – صلى الله عليه وسلم – بل كان على رأس النفر من عقلاء المشركين الذين عملوا على تحطيم الحصار الاقتصادي الذي ضربته قريش علي بني هاشم وبني المطلب في الشعب، فقد كان أبو البحترى هذا في مقدمة الرجال الذين استنكروا هذا الحصار، وعملوا على تمزيق الصحيفة التي علَّقها أعداءُ محمد – صلى الله عليه وسلم – في جوف الكعبة، بعد أن وقَّعت عليها جميع قبائل قريش بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب اقتصاديًا واجتماعيًا، لوقوفهم (قبليًا) بجانب النبي، كما هو مفصل في أول هذا الكتاب.

 

مقتل أبي البحترى في بدر

 

ولكن أبا البحتري النبيل هذا قد قتل في المعركة بالرغم من الأوامر

 

النبوية الصادرة بعدم قتله، وذلك أن المجذر (1) بن زياد البلوى قد لقيه في المعركة، وقال له يا أبا البحترى إن رسول الله قد نهانا عن قتلك، وكان مع أبي البحتري زميل له يقاتلان سويا – فقال وزميلي؟ .

فأبلغه المجذر أن الأمر صادر بشأنه فقط، أما زميله فلا يمكن تركهـ بتاتًا.

فرفض أبو البحترى الحياة، وقال، إذن، لأموتن أنا وهو جميعًا ثم اندفع يقاتل وهو يقول:

لن يسلم ابن حرة زميله … حتى يموت أو يرى سبيله

فاضطر المجذر إلى مقاتلته، فما زال يجاوله حتى قتله.

 

انتهاء المعركة ورأس أبي جهل في بدر

 

وبعد أن انتهت المعركة أمر الرسول بجمع الغنائم والأسلحة التي غنمها المسلمون، فأخذ الجند في جمعها.

كما أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالتحقق من مصير الطاغية أبي جهل، وأخبر من لم يعرفه، بأن به علامة فارقة – أثر جرح في ركبته أصابه على أثر عراك حدث بينه وبين النبي وهما غلامان صغيران في مكة – فانتشر الجند في أرجاء المعركة يبحثون عن أبي جهل ..

__________

(1) هو المجذر بن زياد بن عمرو بن أخزم البلوي، وبلى -بفتح الباء وكسر اللام- قبيلة عظيمة من قضاعة من القحطانية، مساكنها تقع بين المدينة ووادي القرى .. شهد المجذر أحدًا وقتل فيها شهيدًا، كان المجذر في الجاهلية قتل سويد بن الصامت، فلما كان يوم أحد قتل الحرث بن سويد المجذر غدرًا وكان في جيش المسلمين ثم هرب إلى مكة مرقدًا ثم أسلم بعد الفتح فقتله الرسول صلى الله عليه وسلم بالمجذر.

 

لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا في بدر

 

وبينما عبد الله بن مسعود (1) يبحث مع الباحثين، إذا به يجد دعامة الشرك مجندلا وبه آخر رمق، فاقترب منه، وبعد أن وضع رجله على عنقه ليحتز رأسه قال له:

هل أخزاك الله، يا عدو الله؟ ؟

فقال أبو جهل، وبما أخزاني، أأعمد من رجل قتلتموه؟ ؟ (2).

أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ ؟ !

فقال ابن مسعود، لله ولرسوله وللمؤمنين.

فقال أبو جهل لابن مسعود – وكان باركًا على صدره ليحتز رأسه – لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا يا رويعي الغنم – وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة.

 

فرعون هذه الأمة في بدر

 

وبعد أن وضع ابن مسعود رأس أبي جهل بين يدي الرسول، قال له، هذا رأس عدو الله أبي جهل بن هشام فقال النبي – آلله الذي لا إله

__________

(1) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن, صحابي شهير، كان من أكابر الصحابة علمًا وعقلا وورعًا، ومن السابقين الأولين في الإسلام، وهو من أهل مكة، كان أول من جهر في مكة بقراءة القرآن، كان خادمًا مخلصًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وصاحب سره (سكرتيره بلغة هذا العصر) ورفيقه في حله وترحاله، وغزواته، وكان يدخل عليه في كل وقت، وكان قصيرًا جدًّا، بحيث يكاد الجلوس يوارونه، تولى وظيفة بيت المال في الكوفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم توفي رضي الله عنه في خلافة عمان نحو ستين عامًا.

(2) أأعمد من رجل قتلتموه يعني بها: وهل أعظم من رجل قتله قومه؟ .

 

إلا هو؟ ؟ فأكد له ابن مسعود ذلك, ثم قال رسول الله وقد وقف على رأس الطاغية، الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله، هذا فرعون هذه الأمة.

 

القتلى في القليب والأسرى في القيود في بدر

 

وبعد أن جمع المسلمون الأسلاب والغنائم ووضعوا الأسرى في القيود أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بنقل جثث قتلى البغي والعدوان وطرحها في قليب مهجور بالقرب من ساحة المعركة.

وقد كان جمهور جند الإسلام حاضرًا يشهد سحب جثث المشركين وإلقاءَها في القليب.

وقد تجلت في معركة بدر مناظر رائعة، برزت فيها قوة العقيدة وثبات المبدإ، فقد قاتل الابن أباه والأخ أخاه، وكان أحد هؤلاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة واقفًا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يشهد إلقاء الجثث في القليب.

 

نموذج رائع للشباب المؤمن في بدر

 

وبينما هو كذلك واقفًا مستبشرًا, إذا بوجهه يتغير وتعلوه سحابة من الكآبة والحزن، فقد رأى جثة أبيه عتبة بن ربيعة تسحب بين الجثث لإلقائها في القليب.

وقد لحظ الرسول – صلى الله عليه وسلم – ذلك في وجه الشاب المؤمن، فخاطبه قائلا:

 

“يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء” أو كما قال؟ ؟

فقال الشاب المؤمن – وقد اجتاح الأسى كل جوانب قلبه – لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني أعرف من أبي رأيا وحلمًا وفضلا، وكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجوه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول – صلى الله عليه وسلم – بخير وقال له خيرًا.

ولقد كان أبو حذيفة صادقًا، فقد كان أبو عتبة، هو الذي قال فيه الرسول -كما تقدم- وقد رآه قبل المعركة راكبًا جمله الأحمر .. إن يكن في أحد من القوم خير، ففي راكب جمله الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، كما أن عتبة هذا هو الذي حمل لواء المعارضة في جيش مكة في بدر ودعا إلى موادعة النبي والعودة إلى مكة بالجيش دونما قتال، ولكن أبا جهل جعله -كما تقدم- أمام الأمر الواقع.

 

ابن الخطاب يقتل خاله في بدر

 

وقال كان من روائع الثبات على العقيدة التي تجلت في معركة بدر أن قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، كما طلب أبو بكر الصديق مبارزة ابنه عبد الرحمن الذي كان في جيش المشركين.

 

أين دعاة العنصرية؟ في بدر

 

فأين دعاة القومية العنصرية الذين يزعمون (زورًا وكذبًا) أن رابطة الدم واللغة أقوى من رابطة العقيدة والدين؟ .

 

أليس أول وقود اشتعلت به معركة بدر الفاصلة، هو دم الأقربين الذي أسالته سيوف الأسرة الواحدة؟ .

فهل أسال حمزة وعبيدة وعلى أبناء هاشم بن عبد مناف، دماء إخوانهم شيبة وعتبة والوليد أبناء عبد شمس بن عبد مناف .. هل أسالوا تلك الدماء القريبة إليهم والغالية عليهم، على مذبح القومية والعنصرية؟ ؟ أم أسالوها في سبيل العقيدة والدين؟ ؟

إنه صراع المبادئ والعقائد، لا صراع القوميات والنعرات، ذلك الذي خاضته جيوش الإسلام في ضراوة وتصميم حتى بنت للعرب قبل غيرهم (وعلى قمة الزمان) أعظم مجد شهدته الدنيا من لدن آدم حتى يومنا هذا.

لقد رسم يوم بدر أروع نموذج حي للثبات الصادق على العقيدة، لقد آخى الإسلام في هذا المعركة بين الأبعدين وباعد الكفر بين الأشقاء والأقربين.

 

شد يديك به في بدر

 

بعد انتهاء معركة بدر، مر الصحابي الشهير مصعب بن عمير (1) بأخيه أبي عزيز بن عمير (2) الذي خاض المعركة ضد المسلمين، مر به

__________

(1) هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى أحد السابقين إلى الإسلام، كان قد أسلم قديمًا والنبي في دار الأرقم وكان شابًّا يكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، ولما علم أهله بإسلامه أوثقوه ولم يزل محبوسًا إلى أن هرب إلى الحبشة مع من هاجر، هاجر الهجرتين، شهد بدرًا ثم شهد أحدًا وكان صاحب لواء المسلمين. استشهد يوم أحد (رضي الله عنه).

(2) اسمه زرارة، واختلف في إسلامه، قال أبو عمر بن عبد البر له صحبة وسماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الدارقطني إنه قتل كافرًا يوم أحد والله أعلم.

 

وأحد الأنصار يضع القيود في يده، فقال مصعب للأَنصارى شد يديك به، فإن أُمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب:

أهذه وصاتك بي؟ ؟ مصعب إنه (أي الأنصاري) أخي دونك.

 

ما قاله الرسول لأهل القليب

وذكر ابن إسحاق أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد أن تم إلقاء جثث قتلى المشركين يوم بدر في القليب – وقف عليهم وقال:

يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ ؟ فإني وجدت ما وعدنى ربي حقًّا، وفي رواية أُخرى أنه قال:

يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي أنتم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.

فقال له أصحابه أتكلم قومًا قد ماتوا؟ ؟ فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقًّا، قالت عائشة رضي الله عنها والناس يقولون إنه قال لقد سمعوا ما قلت لهم.

 

الفَصْلُ الخَامِس

* مخلفات المعركة.

* عدد قتلى الفريقين وأسماؤهم.

* عدد أسرى المشركين وأسمائهم.

  • عدد البدريين من الصحابة وأسمائهم.

* القرآن يتحدث عن المعركة.

وهكذا انتهت معركة بدر التي خاضها المسلمون، وهم على غير استعداد لها .. انتهت بنصر عظيم للمسلمين، وهزيمة ساحقة لأَعدائهم الذين خسروا في هذه المعركة سبعين قتيلا بينهم أكثر من عشرين من قادتهم وزعمائهم، كما وقع في أسر المسلمين أيضًا سبعون محاربًا بينهم كثير من الزعماءِ والقادة.

 

قتلى الفريقين في معركة بدر

 

لقد خسر المسلمون في معركة بدر أربعة عشر رجلا .. ستة من المهاجرين، وثمانية من الأَنصار، أما شهداءُ المهاجرين فهم:

أ – من بني الطلب بن عبد مناف، رجل واحد، وهو:

 

1 – عبيدة بن الحارث بن المطلب (1) .. قطع رجله عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف (أَثناءِ المبارزة)، فحمله الجيش جريحًا حتى مات بوادى الصفراءِ، والجيش في طريقه إلى المدينة.

ب – من بني زهرة بن كلاب، رجلان، وهما:

1 – عمير بن أبي وقاص (2)، أَخو سعد بن أَبي وقاص.

2 – ذو الشمالين (3) ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي (حليف لهم).

ج – من بني عدي بن كعب بن لؤي، رجلان:

1 – عاقل بن البكير (4). حليف لهم. وهو من بني سعد بن ليث بن عبد مناة بن كنانة.

__________

(1) هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أبو الحارث، كان من فرسان قريش وأبطالها في الجاهلية والإسلام، ولد بمكة، وكان إسلامه سابقًا على دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان ثاني قائد عقد له النبي صلى الله عليه وسلم لواء في الإسلام، وذلك حينما بعثه للقيام بدورية استطلاع في السنة الأولى من الهجرة قوامها ستون راكبًا، وهي الدورية التي التقت بأبي سفيان في موضع يقال له (ثنية المرة) وكان أبو سفيان في أكثر من مائتي راكب.

(2) هو عمير بن أبي وقاص بن أبي أهيب الزهيري، قتله عمرو بن عبد ود العامري الذي قتله يوم الخندق علي بن أبي طالب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رد عميرًا ولم يسمح له بالقتال عندما استعرض جيشه لصغر سنه، فبكى عمير تألمًا لمنعه من الاشتراك في المعركة وعند ذلك سمح له الرسول صلى الله عليه وسلم بالقتال فاستشهد رضي الله عنه.

(3) ذو الشمالين هذا من قبيلة خزاعة، ثم من هذيل، من العدنانيين الذين تقع منازلهام الآن في وادي فاطمة، والخبيت بالقرب من القنفذة، والرواك الواقعة إلى الشرق النووي من بحر والصيم – بكسر الصاد – وعبد عمرو هذا وهو، ذو اليدين الذي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سلم من ركعتين في صلاة رباعية وقال له …. أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟

(4) عاقل هذا، كان أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم أيام المحنة، فكان من السابقين الأولين في الإسلام وكان اسمه غافلا، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عاقلا، يرجع نسب عاقل بن البكير إلى عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة.

 

2 – مهجع (1) مولى عمر بن الخطاب.

د – من بني الحارث بن فهر، رجل واحد. وهو:

1 – صفوان بن بيضاء (2).

عدد شهداءُ الأنصار وأسماؤهم:

أَما شهداءُ الأَنصار فهم:

أ – من بني عمرو بن عوف (بطن من الخزرج) رجلان، وهما:

1 – سعد بن خيثمة (3).

2 – مبشر بن عبد المنذر بن زنبر (4).

__________

(1) قال ابن حجر في الإصابة: مهجع العكى مولى عمر بن الخطاب، قال ابن هشام: أصله من عك فأصابه سبأ، فمن عليه عمر بن الخطاب فأعتقه، فكان من السابقين في الإسلام، وهو أول شهيد قتل يوم بدر، وقد روي عن ابن العباس أن مهجع هو الذي أنزل الله تعالى فيه قوله {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية.

(2) هو صفوان بن وهب بن ربيعة بن هلال الفهرى قتله يوم بدر طعيمة بن عدي النوفلى.

(3) هو سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك الخزرجى، كان من السابقين في الإسلام وأحد النقباء الإثنا عشر الذين كفلوا قومهم في بيعة العقبة، استهم سعد وأبوه خيثمة يوم بدر، فخرج سهم سعد (وكان شابًّا) فقال له أبوه آثر في اليوم، (أي اسمح لي بأن أخرج إلى بدر بدلا منك) فقال له سعد: يا أبت لو كان غير الجنة لفعلت، فخرج سعد رضي الله عنه فقتل شهيدًا في بدر، وهنا يجب أن يقف الشباب المسلم (عند هذا الخبر) وقفة اعتبار وتدبر، ليرى أي شباب كان الإسلام يعتمد عليه، ومن يتمعن في تاريخ هذا الشباب المسلم من أمثال سعد بن خيثمة، سيدرك سر ذلك الإعصار الذي أطاح بإمبراطوريتين عظيمتين في أقل من عشرين سنة على أيدى أولئك البدو الذين انطلقوا من الكهوف وأغوار الوديان حفاة شبه عراة.

(4) هو مبشر بن المنذر بن زنبر الخزرجى الأنصاري أخو أبي لبابة الصحابي المشهور الذي رده النبي صلى الله عليه وسلم من الروحاء وهم في طريقهم إلى بدر، وجعله أميرًا على المدينة مدة غيابه.

 

ب – ومن بني الحارث بن الخزرج (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:

1 – يزيد بن الحارث، وهو الذي يقال له (ابن فسحم) (1).

ج – ومن بني سلمة (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:

1 – عمير بن الحمام (2).

د – ومن بني حبيب (بطن من الخزرج) رجل واحد، وهو:

1 – رافع بن المعلى (3).

هـ – ومن بني النجار (بطن من الأرس) رجل واحد، وهو:

1 – حارثة بن سراقة بن الحارث (4).

و- ومن بني غنم (بطن من الأَوس) رجلان، وهما:

1 – أخوه، معوذ بن الحارث .. وهذان الأخوان هما أبناءُ عفراء (5)

__________

(1) هو يزيد بن الحارث (أو الحرث) بن قيس بن مالك الأنصاري الخزرجي وهو المشهور (بابن فسحم) آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد عمرو المعروف بذي الشمالين.

(2) هو عمير بن الحمام (بضم الحاء وتخفيف الميم) بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري، وهو الذي قذف بتمرات كان يأكلهن وهو في الصف، وغاص في المشركين فقاتلهم حتى قتل بعد أن قال بخ بخ أفما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء (كما ذكرنا ذلك في صلب الكتاب).

(3) هو رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة الخزرجى الأنصاري، قتله عكرمة بن أبي جهل.

(4) هو حارثة بن سراقة بن الحارث الأنصاري الأوسى النجارى، لم أطلع له على ترجمة أكثر من هذا في الإصابة.

(5) عوف ومعوذ هذان اشتركا في قتل أبي جهل بعد أن جرحه أحد الأنصار كما تقدم.

 

عدد قتلى المشركين في بدر وأسمائهم

 

أما خسائر المشركين من القتلى في معركة بدر فقد بلغت سبعين رجلا وهم كما يلي:

أ – من بني عبد شمس بن عبد مناف إثنا عشر رجلا، وهم:

1 – عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .. جرحه عبيدة بن عبد المطلب.

2 – شيبة بن ربيعة بن عبد شمس .. جرحه عبيدة بن الحارث.

وذفف عليه علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب.

3 – الوليد بن عتبة .. قتله علي بن أبي طالب.

4 – حنظلة بن أبي سفيان بن حرب .. قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

5 – الحارث بن الحضرمي. (حليف لبني عبد شمس). . قتله النعمان بن عصر.

6 – عامر بن الحضرمي (حليف لهم أيضًا). . قتله عمار بن باسر (1).

__________

(1) هو عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي اليماني، أبو اليقظان، (حليف بني مخزوم) وأمه سمية كانت مولاة لهم. كان عمار من السابقين في الإسلام، هو وأبوه، وكانوا ممن يعذب في الله في مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليهم فيقول: “صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة” هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شهد اليمامة في جيش خالد بن الوليد فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة، وكان أول من أظهر إسلامهم بمكة سبعة، منهم عمار بن ياسر، كما ذكره ابن ماجة، وفيه تواترت الأحاديث أنه قتلته الفئة الباغية، وقد قتل في صفين وهو في جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان عمار (يغفر الله له) من الذين شغبوا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه واشترك في محاصرته مع (مالك الأشتر النخعي) يوم الدار حتى قتله المجرمون تلك القتلة التي نتجت عنها تلك الفتنة العمياء التي لا يزال المسلمون يخبون في ظلامها حتى اليوم ويعانون الفرقة من جرائها حتى هذه اللحظة.

 

7 – عمير بن أبي عمير.

8 – وابن لعمير هذا … والاثنان موليان لبني عبد شمس.

9 – عبيدة بن سعيد بن العاص … قتله الزبير بن العوام.

10 – العاص بن سعيد بن العاص .. قتله علي بن أبي طالب.

11 – عقبة بن أبي معيط … قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، قتله صبرًا في مكان يقال له عرق الظبية وذلك أثناء عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة.

12 – عامر بن عبد الله النمري (حليف لهم) … قتله علي بن أبي طالب.

ب – ومن بني نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما:

1 – الحارث بن عامر بن نوفل … قتله خبيب بن أَساف.

2 – طعيمة بن عدي بن نوفل … قتله علي بن أبي طالب.

ج – ومن بني أسد بن عبد العزي سبعة نفر:

1 – زمعة بن الأسود بن المطلب، قتله ثابت بن الجذع ويقال اشترك في قتله علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب.

2 – أبو البحتري بن هشام (واسمه العاص بن هشام بن الحارث) قتله الجذر بن زياد البلوي.

3 – الحارث بن زمعة … قتله عمار بن ياسر.

4 – نوفل بن خويلد بن اسد، وهو أخو أم المؤمنين خديجة (وكان من شياطين قريش) قتله علي بن أبي طالب.

5 – عقيل بن الأسود بن المطلب .. قتله حمزة وعلي.

6 – عقبة بن زيد (رجل من اليمن حليف لبني أسد)

7 – ومولى لهم اسمه (عمير).

 

د – ومن بني عبد الدار بن قصي أربعة نفر:

1 – النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة. أَسر النضر في المعركة (وكان حامل لواءِ المشركين)، وقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بقتله صبرًا، فنفَّذ فيه حكم الإعدام علي بن أبي طالب في موضع يقال له (الأَثيل) بوادي الصفراءِ. وكان النضر هذا من شياطين قريش، ومن أكبر مجرمي الحرب، ومن أشد الناس إيذاءً للمسلمين.

2 – زيد بن مليص، مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار .. قتله بلال بن رباح (1) (ومولى أبي بكر الصديق يومئذ).

3 – نبيه بن زيد بن مليصي (حليف لهم) من بني مازن ثم من بني تميم.

4 – عبيد بن سليط (حليف لهم) من قيس.

5 – ومن بني تميم بن مرة، أربعة نفر:

__________

(1) هو بلال بن رباح الحبشي، المؤذن المشهور وهو بلال بن حمامة وهي أمه اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين في مكة، إنقاذًا له من التعذيب الشديد، ثم أعتقه، فلزم النبي صلى الله عليه وسلم، وأذن له، شهد بلال كل المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح القائل الشهير، كان يواصل الجهاد مع جيوش الإسلام خارج جزيرة العرب، فشهد فتوحات الشام مجاهدًا حتى مات بها، ومناقب بلال كثيرة، وكان من أكثر المؤمنين الأولين تحملا لتعذيب المشركين، كان أمية بن خلف (رأس الكفر) يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة (في شدة القيظ) ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد، فيكون جواب بلال (إزاء ذلك التعذيب الرهيب): أحد أحد. . فمر به أبو بكر الصديق فاشتراه منه بعبد له أسود جلد، روى له أصحاب الحديث في كتبهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعة وأربعين حديثًا، توفي بالطاعون في عمواس زمان ابن الخطاب عام عشرين هـ.

 

1 – مالك بن عبيد الله بن عثمان (وهو أخو طلحة بن عبد الله) أسر فمات في الأسر. فعد في القتلى.

2 – عمرو بن عبد الله بن جدعان.

3 – عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. قتله علي بن أبي طالب.

4 – عثمان بن مالك بن عبيد الله به قتله صهيب بن سنان (1).

و- ومن بني مخزوم (قبيلة خالد بن الوليد) أربعة وعشرون رجلا وهم:

1 – القائد العام لجيش مكة (أبو جهل بن هشام) واسمه عمرو بن هشام المغيرة بن عمرو بن مخزوم أقعده بضربة بالسيف، معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته. ثم ذفف عليه عبد الله بن مسعود، حين احتز رأسه.

2 – العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بني مخزوم. قتله عمر بن الخطاب (وهو خاله).

3 – يزيد بن عبد الله (حليف لهم) وكان من بني تميم .. قتله عمار بن ياسر.

__________

(1) صهيب بن سنان بن مالك الصحابي الشهير. وهو الذي يقال له هو صهيب الرومي، اختلف النسابون ونسبه، فقيل إنه نمري من بني قاسط. وأن الروم سبوه وهو صغير لأن أهله كانوا يقيمون بالعراق من جهة الفرس على مياه دجلة، فنشأ صهيب بأرض الروم فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من قبيلة (كلب) فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي فأعتقه، ويقال أنه رومي الأصل، هرب من أرض الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان. والذي يجعلنا نميل إلى أنه رومى الأصل، أنه كان أحمر شديد الصهوبة، وهذه غالبًا صفة الروم، كان رضي الله عنه من السابقين في الإسلام. ومن المستضعفين ممن يعذب في الله؛ هاجر إلى المدينة مع أمير المؤمنين علي، شهد المشاهد كلها مع سول الله صلى الله عليه وسلام، وكان من أعلام الصحابة. لما مات عمر أوصى أن يصلى عليه صهيب. مات صهيب سنة كان ثمان وثلاثين هـ. وهو ابن سبعين.

 

– أبو مسافع الأشعري (حليف لهم) قتله أبو دجانة (1).

5 – حرملة بن عمرو (حليف لهم) وهو من الأسد، قتله خارجة بن زيد (2).

6 – مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.

7 – أبو قيس بن الوليد بن المغيرة (أخو خالد بن الوليد) قتله حمزة بن عبد المطلب.

8 – أبو قيس بن الفاكهة بن المغيرة، قتله علي بن أبي طالب.

9 – رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قتله سعد بن الربيع.

10 – المنذر بن أبي رفاعة بن عابد. قتله معن بن عدي بن الجد بن العجلان.

11 – السائب بن أبي السائب بن عابد، قتله الزبير بن العوام، وفي رواية ابن هشام أن السائب هذا، أسلم وحسن إسلامه (انظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 711).

12 – الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قتله حمزة بن عبد المطلب.

13 – حاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قتله علي بن أبي طالب.

14 – عويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان بن مالك القوقلى مبارزة.

15 – عمرو بن سفيان (حليف لهم) من طي، قتله يزيد بن رقيش.

__________

(1) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

(2) استشهد خارجة في معركة أحد .. وانظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

 

16 – جابر بن سفيان (حليف لهم أيضًا) وهو من طي، قتله جابر أبو بردة بن نيار.

17 – عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، قتله علي بن أبي طالب.

18 – حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن أبي وقاص.

19 – هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة، قتله صهيب بن سنان.

20 – زهير بن أبي رفاعة، قتله أبو أسيد، مالك بن ربيعة.

21 – السائب بن أبي رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف.

22 – عائذ بن السائب بن عويمر، جرحه في المعركة حمزة بن عبد المطلب، ثم أسر فافتدى ثم مات متأثرًا بجراحه.

23 – رجل من طي اسمه عمير (حليف لهم من طي).

24 – رجل آخر أيضًا اسمه خيار، (حليف لهم من القارة).

ز – ومن بني سهم بن عمرو (قبيلة عمرو بن العاص) سبعة نفر، وهم:

1 – منبِّه بن الحجاج بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر أخو بني سلمة.

2 – ابنه، العاص بن منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب.

3 – أخوه، نبيه بن الحجاج، قتله حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن أبي وقاص، اشتركا في قتله.

4 – أبو العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله علي بن أبي طالب. ويقال النعمان بن مالك القوقلي، ويقال .. أبو دجانة.

5 – عاصم بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بني سلمة.

6 – الحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان.

 

7 – عامر بن عوف بن ضبيرة، أخو عاصم بن ضبيرة، قتله عبد الله بن سلمة العجلانى. ويقال أبو دجانة.

ح – ومن بني عامر بن لؤى رجلان، وهما:

1 – معاوية بن عامر (حليف لهم من بني عبد القيس)، قتله عكاشة بن محصن (1) على ما قاله ابن هشام.

2 – معبد بن وهب (حليف لهم من بني كلب بن عوف) قتله خالد وإياس ابنا البكير.

ط – ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص، أربعة نفر، وهم:

1 – أُمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح, قتله رجل من الأنصار من بني مازن.

2 – ابنه علي بن أُمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر.

3 – أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله علي بن أبي طالب، ويقال قتله الحصين بن الحارث وعثمان بن مظعون.

4 – سبرة بن مالك (حليف لهم) لا يعرف قاتله.

__________

(1) هو عكاشة (بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفها) بن محصن بن حرثان بن قيس، من بني أسد بن خزيمة، حليف بني عبد شمس من السابقين الأولين، وهو الذي يضرب به المثل دائمًا بالقول (سبقك بها عكاشة) وهذه الكلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال: إن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، قال … أنت منهم، فقام آخر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: سبقك بها عكاشة فصار يضرب بها المثل للسبق في الأمر، استشهد عكاشة في حرب الردة، قتله طليحة بن خويلد الأسدي.

 

أسرى المشركين في بدر وأسماؤهم

 

أما أسرى المشركين الذين وقعوا في أيدى جيش المدينة يوم بدر. فهم أيضًا سبعون رجلًا، وهم كما يلي:

أ – من بني هاشم أربعة نفر، وهم:

1 – العباس بن عبد المطلب (1).

2 – عقيل بن أبي طالب (2) أخو علي بن أبي طالب.

3 – نوفل بن الحارث بن المطلب (3).

__________

(1) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين, افتدى نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب. ورجع إلى مكة، ويقال أنه أسلم فكتم إسلامه، فكان عينًا على المشركين، يبعث بأخبارهم من مكة للنبي صلى الله عليه وسلم، هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد فتح مكة مع المسلمين. وشهد معركة حنين، وكان ممن ثبت ساعة انهزام المسلمين أول المعركة، فكان لصوته الجهورى فضل كبير عندما حض المنهزمين على الثبات كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول من آذى العباس فقد آذانى، فإنما عم الرجل صنو أبيه، كان العباس طويلا جميلا، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين هـ.

(2) هو عقيل بن أبي طالب، أخو أمير المؤمنين (علي) تأخر إسلامه إلى عام الفتح، شهد حنينًا وكان ممن ثبت فيها، كما شهد معركة مؤتة (في الأردن)، كان من أعلم الناس بأنساب قريش ومآثرها ومثالبها، وكان شديد الذكاء مشهورًا بالجواب المسكت، فارق أخاه عليا ولحق بمعاوية أيام الخلاف بينهما، وشهد صفين مع معاوية، ويقول بعض المؤرخين إن معاوية قال لعقيل في يوم من أيام صفين، أنت اليوم معنا فأجابه (على طريقته في سرعة الجواب): وقد كنت معكم يوم بدر، لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى حديث واحد أخرجه له النسائي وابن ماجه، مات رضي الله عنه في أول خلافة يزيد.

(3) هو نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، دفع عنه الفدية عمه العباس، فأطلق سراحه من الأسر، كان يتاجر في الرماح، أسلم نوفل وكان أسن من أسلم من بني هاشم، مات نوفل لسنتين من خلافة ابن الخطاب، ومشى عمر في جنازته.

 

4 – رجل اسمه (عتبة) حليف لهم.

ب – ومن بني المطلب بن عبد مناف خمسة نفر, وهم:

1 – السائب بن عبيد بن عبد يزيد (1).

2 – نعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب.

3 – عقيل بن عمرو (حليف لهم).

4 – أخوه تميم (حليف لهم أيضًا).

5 – ابن لتميم، لا يعرف اسمه (حليف لهم أيضًا).

ج – ومن بني عبد شمس بن عبد مناف تسعة نفر، وهم:

1 – عمرو بن أبي سفيان بن حرب.

2 – الحارث بن أبي وجرة.

3 – أبو العاص بن الربيع (2).

__________

(1) هو السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، جد الإمام الشافعي، كان السائب حامل راية بني هاشم مع المشركين يوم بدر، فدى نفسه من الأسر، ثم أسلم وحسن إسلامه.

(2) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمه لقيط، وقيل ياسر، تزوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما مشركان، وكان رجلا نبيلا مشهورًا بالأمانة حتى إنه كان يلقب بالأمين، وكان القرشيون لذلك يأتمنونه على أموالهم، فكان لذلك يتاجر (مضاربًا) في أموال كثير من القرشيين الموسرين واتفق أن عاد مرة من الشام في تجارة كثيرة لأهل مكة، فأراد بعض الصحابة التعرض له والاستيلاء على ما معه من أموال باعتبارها أموال العدو، فأعلنت زوجته أنها قد أجارته فأمن بذلك، ثم خرج إليه بعض الصحابة من غير سلاح، وقالوا له: هل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أموال لمشركي مكة، فقال بئسما أمرتمونى به، أن أنسخ دينى بغدرة، ثم مضى بتجارة أهل مكهـ حتى وصل إليها وأعطى كل ذي حق حقه, ثم نادى في أهل مكة قائلا: يا أهل مكة هل أوفيت ذمتى، قالوا .. اللهم نعم، فأعلن إسلامه آن ذاك وهاجر إلى المدينة، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته زينب بعقد جديد، وقد توفي أبو العاص سنة اثنتى عشرة من الهجرة.

 

5 – أبو ريشة بن عمرو (حليف لهم).

6 – عمرو بن الأزرق (حليف لهم).

7 – عقبة بن عبد الحارث بن الحضرى (حليف لهم).

8 – خالد بن أسيد بن أبي العيص (1).

9 – أبو العريض، يسار (مولى العاص بن أُمية).

د – ومن بني نوفل بن عبد مناف أربعة نفر، وهم:

1 – عدى بن الخيار بن عدي بن نوفل.

2 – عثمان بن عبد شمس ابن أخي غزوان بن جابر. (حليف لهم من بني مازن بن منصور).

3 – أبو ثور (حليف لهم).

4 – نبهان (مولى لهم).

هـ – ومن بني عبد الدار بن قصى، ثلاثة نفر، وهم:

1 – أبو عزيز بن عمير بن هاشم (أخو مصعب بن عمير).

2 – الأسود بن عامر (حليف لهم).

3 – عقيل (رجل من اليمن) حليف لهم.

و- ومن بني أسد بن عبد العزّى أربعة نفر، وهم:

1 – السائب بن أبي جيش بن المطلب بن أسد.

2 – الحويرث بن عبَّاد بن عثمان بن أسد.

3 – سالم بن شماخ (حليف لهم).

4 – عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث.

__________

(1) هو خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، وهو أخو عتاب بن أسيد الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على مكة بعد الفتح، أسلم يوم الفتح، وكان أخوه عتاب قد أرسله أميرًا على حملة التأديب التي أرسلها لمقاتلة المرتدين.

 

ز – ومن بني مخزوم بن يقظة عشرة نفر، وهم:

1 – خالد بن هشام بن المغيرة.

2 – أُمية بن أبي حذيفة بن المغيرة.

3 – عثمان بن عبد الله بن المغيرة.

4 – أبو المنذر بن أبي رفاعة.

5 – أبو عطاء عبد الله بن أبي السائب.

6 – المطلب بن حنطب بن الحارث.

7 – خالد بن الأعلم (حليف لهم) وهو الذي كان أول من فر منهزمًا من المعركة، مع أنه صاحب البيت المشهور الذي يضرب به المثل للثبات.

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يتقطر الدم.

8 – الوليد بن الوليد بن المغيرة (أخو خالد بن الوليد).

9 – صيفى بن أبي رفاعة بين عابد.

10 – قيس بن السائب.

ح – ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص خمسة نفر، وهم:

1 – أبو رداعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم.

2 – وفرة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سعد بن سهم.

3 – حنظلة بن قبيصة بن حذافة بن سعد بن سهم.

4 – الحجاج بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم.

5 – رجل، اسمه (أسلم) مولى نبيه الحجاج.

ط – ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص أحد عشر رجلا وهم:

1 – عبد الله بن أُبي بن خلف بن وهب.

2 – أبو عزة (عمرو بن عبد بن عثمان بن وهيب).

 

3 – الفاكهة (مولى أُمية بن خلف).

4 – وهب بن عمير.

5 – ربيعة بن دراج بن العنبس بن أهبان بن وهب.

6 – عمرو بن أُبي بن خلف.

7 – أبو رهم بن عبد الله (حليف لهم).

8 – ورجل (حليف لهم) ذهب عن ابن إسحاق اسمه فلم يذكره.

9 – نسطاس (مولى لأُمية بن خلف).

10 – مولى آخر (لأُمية بن خلف) لا يعرف اسمه.

11 – أبو رافع (غلام أمية بن خلف).

ي – ومن بني عامر بن لؤى خمسة نفر، وهم:

1 – سهيل بن عمرو (1). أسره مالك بن الدخشم.

2 – عبد بن زمعة بن قيس.

3 – عبد الرحمن بن منشؤ بن وقدان.

4 – حبيب بن جابر.

5 – السائب بن مالك.

ك – ومن بني الحارث بن فهر أربعة نفر، وهم:

__________

(1) هو سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود العامري القرشي، صحابي جليل خطيب قريش الأول. أسلم بعد الفتح، وكان من زعماء قريش البارزين في الجاهلية والإسلام، تولى (بالنيابة عن قريش) إبرام صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لرسول الله لما أمسك عضادة باب الكعبة يوم الفتح، وخاطب قريشًا قائلا … ماذا تقولون؟ قال سهيل: نقول خيرًا ونظن خيرًا – أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال صلى الله عليه وسلم: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، كان سهيل في جيوش الشام يجاهد، ولم يزل كذلك حتى مات في طاعون عمواس غازيًا.

 

1 – الطفيل بن أبي قنيع.

2 – عتبة بن عمرو بن جحدم.

3 – شافع (رجل من اليمن) حليف لهم.

4 – شفيع (رجل أيضًا من اليمن) حليف لهم.

 

أسماء من شهد بدرًا من المسلمين

لقد شھهد معركة بدر من المسلمين ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا منهم ستة وثمانون رجلًا من المهاجرين, ومائتان وواحد وثلاثون من الأنصار. منهم مائة وسبعون من الخزرج وواحد وستون من الأوس.

وهذه أسماء جميع البدريين منسوبون إلى قبائلهم:

 

البدريون من المهاجرين

أ – من بني هاشم بن عبد مناف ثمانية نفر:

1 – سيد المرسلين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف – صلى الله عليه وسلم -.

2 – حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

3 – علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

4 – زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبى (مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -).

5 – أنسة الحبشى (مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -).

6 – أبو كبشة الفارسى (مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -).

7 – كناز بن حصين بن يربوع (حليف لهم) وهو من قيس عيلان. وهو المكنى بأبي مرثد.

 

8 – ابنه مرثد بن أبي مرثد (حليف لهم أيضًا).

ج – ومن بني المطلب بن عبد مناف أربعة نفر:

1 – عبيدة بن الحارث بن المطلب. (قتل يوم بدر).

2 – الطفيل بن الحارث بن المطلب.

3 – الحصين بن الحارث بن المطلب.

4 – مسطح واسمه عوف بن أُثاثة بن عباد بن المطلب.

د – ومن بني أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف ستة عشر رجلا.

1 – عثمان بن عفان، تخلّف على امرأته رقية بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، لتمريضها في المدينة فضرب له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسهم وعدّه من البدريين في الأجر.

2 – أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.

3 – سالم مولى أبي حذيفة (1) بن عتبة بن ربيعة.

__________

(1) هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان من أجلاء الصحابة وأعلامهم، ومن السابقين الأولين، وقد كان لامرأة من الأنصار واسمها (فاطمة بنت يعار) اعتقته سائبة، فوالى الصحابي الشهير أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبناه، كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما نزلت آية (ادعوهم لآبائهم) رد كل أحد تبنى ابنًا إلى أبيه، ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، كان سالم هذا عظيم المنزلة بين الصحابة، فكان يؤم المهاجرين في الصلاة في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر، وكان من المهاجرين، هاجر مع عمر بن الخطاب، وكان ابن الخطاب معجبًا به, كثير الثناء عليه، حتى إن عمر لما طعن وفكر في أمر الخلافة، تذكر سالمًا وكان قد مات ثم قال عمر لو كان سالم حيًّا ما جعلتها شورى (أي لأوصى له بالخلافة) وهذا يدل على علو منزلة سالم رضي الله عنه، وكان من حفاظ القرآن المشهورين في عصر النبي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول .. خذو القرآن من أربعة، من ابن أم عبد، ومن أُبي بن كعب ومن سالم مولى حذيفة، ومن معاذ بن جبل، شهد سالم بدرًا وقتل في معركة اليمامة شهيدًا هو ومولاه أبو حذيفة، وقد وجد رأس أحدهما عند رجل الآخر وذلك سنة اثنتى عشرة من الهجرة.

 

4 – عبد الله بن جحش (حليف لهم).

5 – عكاشة بن محصن. (حليف لهم).

6 – شجاع بن وهب بن ربيعة (حليف لهم).

7 – عقبة بن وهب بن ربيعة (حليف لهم).

8 – يزيد بن رقيش (حليف لهم).

9 – أبو سنان محصن بن حرثان بن قيس (حليف لهم).

10 – سنان بن أبي سنان (حليف لهم).

11 – محرز بن نضلة بن عبد الله (حليف لهم).

12 – ربيعة بن أكثم بن سخبرة (حليف لهم).

13 – ثقيف بن عمرو (حليف لهم).

14 – مالك بن عمرو (حليف لهم).

15 – مدلج بن عمرو (حليف لهم).

16 – أبو مخشي (حليف لهم).

هـ – ومن بني نوفل بن عبد مناف، رجلان، وهما:

1 – عتبة بن غزوان (حليف لهم).

2 – خباب مولى عتبة بن غزوان (حليف لهم).

و- ومن بني أسد بن عبد العزي ثلاثة نفر، وهم:

1 – الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد.

2 – حاطب بن أبي بلتعة اليماني (1) (حليف لهم).

__________

(1) هو زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر بن الخطاب، كان أسن من أخيه عمر، وقد أسلم قبله، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وقتل شهيدًا في حرب اليمامة، وكانت راية المسلمين معه، وحزن عليه أخوه عمر حزنًا شديدًا، ولما قتل رضي الله عنه قال عمر سبقني إلى الحسنيين: أسلم قبلي واستشهد قبلي، له في الصحيح حديث وحد.

 

2 – سعد الكلبى (مولى حاطب بن أبي بلتعة) حليف لهم.

ز – ومن بني عبد الدار بن قصي، رجلان. وهما:

1 – مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

2 – سويط بن سعد بن حريملة.

ح – ومن بني زهرة بن كلاب ثمانية نفر، وهم:

1 – عبد الرحمن بن عوف.

2 – سعد بن أبي وقاص.

3 – عمير بن أبي وقاص.

4 – المقداد بن عمرو بن ثعلبة (حليف لهم).

5 – عبد الله بن مسعود بن الحارث الهذلى (حليف لهم).

6 – مسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد (حليف لهم).

7 – ذو الشمالين بن عمرو بن نضلة الخزاعي (حليف لهم).

8 – خباب بن الأرت التميمي (حليف لهم).

ط – ومن بني تيم بن مرة خمسة نفر:

1 – أبو بكر الصديق. واسمه (عتيق بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم).

2 – بلال بن رباح (مولى لأبي بكر الصديق).

3 – عامر بن فهيرة (مولى أبي بكر الصديق).

4 – صهيب بن سنان (مولى عبد الله بن جدعان التيمي).

5 – طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيمم، كان غائبًا بالشام وقت المعركة فضرب له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسهمه وعدّه كالبدريين في الأجر.

ي – ومن بني مخزوم خمسة نفر، وهم:

 

1 – أبو سلمة بن عبد الأسد واسمه عبد الله بن عبد الأسد.

2 – شماس بن عثمان بن الشريد.

3 – الأرقم بن أبي الأرقم، واسمه (عبد مناف بن أسد).

4 – عمار بن ياسر.

5 – معتَّب بن عوف بن عامر الخزاعي (حليف لهم).

6 – ومن بني عدى بن كعب (قبيلة عمر بن الخطاب) أربعة عشر رجلا وهم:

1 – عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي.

2 – مهجع العكي (مولى عمر بن الخطاب).

3 – عمرو بن سراقة بن المعتمر.

4 – عبد الله بن سراقة.

5 – واقد بن عبد الله بن مناف اليربوعى (حليف لهم).

6 – خولى بن أبي خولى حليف لهم.

7 – مالك بن أبي خولى حليف لهم.

8 – عامر بن البكير بن عبد ياليل (حليف لهم).

10 – عاقل بن البكير.

11 – خالد بن البكير.

12 – إياس بن البكير.

13 – زيد بن الخطاب (أخو عمر بن الخطاب).

14 – سعيد بن زياد بن عمرو بن نفيل. كان غائبًا في الشام فلما قدم ضرب له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسهم، وعده مثل البدريين في الأجر، فصار بدريًا.

 

ل – ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب خمسة رجال:

1 – عثمان بن مظعون.

2 – السائب بن عثمان بن مظعون.

3 – قدامة بن مظعون.

4 – عبد الله بن مظعون.

5 – معمر بن الحارث بن معمر.

م- ومن بني سهھم بن عمرو بن هصيص، رجل واحد:

1 – لم يذكر ابن إسحاق اسمه.

ن- ومن بني عامر بن لؤيّ سبعة رجال، وهم:

1 – أبو سببرة بن أبي رهم بن عبد العزي.

2 – عبد الله بن مخرمة بن عبد العزي.

3 – عبد الله بن سهيل بن عمرو.

4 – عمير بن عوف (مولى سهيل بن عمرو).

5 – سعد بن خولة (حليف لهم).

6 – وهب بن سعد بن أبي سرح.

7 – حاطب بن عمرو.

س- ومن بني الحارث بن فھهو ستة رجال، وهم:

1 – عامر بن عبد الله بن الجراح المشهور (بأبي عبيدة بن الجراح).

2 – عمرو بن الحارث بن زهير.

3 – سهيل بن وهب بن ربيعة.

4 – صفوان بن وهب بن ربيعة. ہ

5 – عمرو بن أبي سرح بن ربيعة.

6 – عياض بن زهير.

 

فهؤلاء البدريون من المهاجرين رضي الله عنهم وأرضاهم، منهم ثلاثة لم يباشروا القتال فصاروا في عداد البدريين لهم أجرهم عند الله مثلهم وأخذوا حصتهم في الغنائم، وهم (عثمان بن عفان) و (طلحة بن عبيد الله) و (سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل).

 

أسماء البدريين من الأنصار:

أ- من بني عبد الأشهل (بطن من الأوس) خمسة عشر رجلا، وهم:

1 – سعد بن معاذ.

2 – الحارث بن أوس بن معاذ.

3 – الحارث بن أنس بن رافع.

4 – سعد بن زيد بن مالك.

5 – سلمة بن سلامة بن وقش.

6 – عباد بن بشر بن وقش.

7 – مسلمة بن ثابت بن وقش.

8 – رافع بن يزيد بن كرز.

9 – الحارث بن خزانة بن عدي.

10 – محمد بن مسلمة (1).

11 – سلمة بن أسلم بن حريش (حليف لهم من بني الحارث).

12 – أبو الهيثم بن التيهان.

13 – عبيد بن التيهان.

14 – عمرو بن معاذ بن النعمان.

__________

(1) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

 

15 – عبد الله بن سهل.

ب- ومن بني ظفر (بطن من الأوس) رجلان، وهما

1 – قتادة بن النعمان بن زيد (1).

2 – عبيد بن أوس بن مالك.

ج- ومن بني عباد بن رزاح (بطن من الأوس) ثلاثة رجال وهم:

1 – نصر بن الحارث بن عبد.

2 – معتب بن عبد.

3 – عبد الله بن طارق البلوي (حليف لهم).

د- ومن بني حارثة بن الحارث (بطن من الأوس) ثلاثة نفر، وهم:

1 – مسعود بن سعد بن عامر.

2 – أبو عنبس بن جبر.

3 – هاني بن نيار البلوي (حليف لهم).

هـ – ومن بني عمرو بن عوف (بطن من الأوس) ستة نفر، وهم:

1 – عاصم بن ثابت بن قيس.

2 – قيس أبو الأقلح بن عصمة.

3 – معتِّب بن قشير.

4 – أبو مليل بن الأزعر.

5 – عمرو بن معبد الأزعر.

6 – سهل بن حنيف. (2).

و- ومن بني أمية بن زيد (بطن من الأوس) تسعة نفر، وهم:

1 – مبشر بن عبد المنذر بن زنبر.

__________

(1) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

(2) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

 

2 – رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر.

3 – سعد بن عبيد بن النعمان.

4 – عويم بن ساعدة.

5 – رافع بن عنجدة.

6 – عبيد بن أبي عبيد.

7 – ثعلبة بن حاطب.

8 – الحارث بن حاطب، رجع من الطريق بأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فضرب له بسهم وعده من البدريين في الأجر.

9 – أبو لبابة.

ز- ومن بني عبيد بن زيد (بطن من الأوس) سبعة نفر، وهم.

1 – أنيس بن قتادة بن ربيعة.

2 – معن بن عدي بن الجد البلوي (حليف لهم).

3 – عبد الله بن سلمة العجلاني (حليف لهم).

4 – زيد بن أسلم بن ثعلبة العجلاني (حليف لهم).

5 – ربعي بن رافع بن زيد العجلاني (حليف لهم).

6 – عاصم بن عدي بن الجد العجلاني (حليف لهم) خرج مع المسلمين إلى بدر فرده رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وضرب له بسهم مع أصحاب بدر، فعد في البدريين.

7 – ثابت بن أقوم بن ثعلبة العجلاني (حليف لهم).

ح – ومن بني ثعلبة بن عمر بن عوف (بطن من الأوس)، سبعة نفر، وهم:

1 – عبد الله بن جبير بن النعمان.

2 – عاصم بن قيس بن ثابت.

 

3 – أبو ضياح بن ثابت بن النعمان.

4 – أبو حنة (ويقال) أبو حبة بن ثابت بن النعمان.

5 – سالم بن عمير بن ثابت.

6 – الحارث بن النعمان بن أُمية.

7 – خوات بن جبير بن النعمان.

طـ- ومن بني جحجي بن كلفة بن عوف (بطن من الأوس) رجلان. وهما:

1 – منذر بن محمد بن عقبة.

2 – أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة، من بني أنيف (حليف لهم).

ى – ومن بني غنم بن السلم (بطن من الأوس) خمسة نفر، وهم:

1 – سعد بن خيثمة.

2 – منذر بن قدامة بن عرفجة.

3 – مالك بن قدامة بن عرفجة.

4 – الحارث بن عرفجة.

5 – تميم (مولى لهم).

ك – ومن بني معاوية بن مالك بن عوف (بطن من الأوس) ثلاثة نفر.

وهم:

1 – جبر بن عتيك بن الحارث.

2 – مالك بن نميلة (حليف لهم من مزينة).

3 – النعمان بن عصر (حليف لهم) من قبيلة بلى (بفتح أوله وكسر ثانيه).

فهؤلاء هم البدريون من الأنصار من قبيلة الأوس خاصة، رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم واحد وستون محاربًا.

 

أسماء البدريين من الخزرج:

أ- من بني امرئ القيس بن مالك، أربعة نفر، وهم:

1 – خارجة بن زيد.

2 – سعد بن الربيع.

3 – عبد الله بن رواحة.

4 – خلاد بن سويد بن ثعلبة.

ب – ومن بني زيد بن مالك رجلان، وهما:

1 – بشير بن سعد بن ثعلبة.

2 – سماك بن سعد بن ثعلبة.

ج – ومن بني عدي بن كعب بن الخزرج ثلاثة نفر، وهم:

1 – سبيع بن قيس بن عيشة.

2 – عباد بن قيس بن عيشة.

3 – عبد الله بن عبس.

د- ومن بني أحمر بن حارثة بن ثعلبة رجل واحد، وهو:

1 – يزيد بن الحارث بن قيس.

هـ – ومن بني جشم بن الحارث بن الخزرج أربعة نفر، وهم:

1 – خبيب بن أساف بن عتبة.

2 – عبد الله بن زيد بن ثعلبة.

3 – حريث بن زيد بن ثعلبة.

4 – سفيان بن بشر.

و- ومن بني جدارة بن عوف بن الحارث أربعة نفر، وهم:

1 – تميم بن يعار بن قيس.

 

2 – عبد الله بن عمير.

3 – زيد بن المزين بن قيس.

4 – عبد الله بن عرفطة بن عدي.

ز – ومن بني الأبجر (وهم بنو خدرة) رجل واحد وهو:

1 – عبد الله بن ربيع بن قيس.

ح – ومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني عبيد رجلان، وهما:

1 – عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن سلول (1).

2 – أوس بن خولى بن عبد الله بن الحارث.

ح – ومن بني جزء بن عدي بن مالك ستة نفر، وهم:

1 – زيد بن وديعة بن عمرو. حليف لهم من غطفان.

2 – عامر بن سلمة بن عامر. حليف لهم من أهل اليمن.

3 – أبو حميضة، معبد بن عباد، ويقال ابن عبادة بن قشير.

4 – عامر بن البكير. حليف لهم.

5 – عقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم من غطفان.

6 – رفاعة بن عمرو بن زيد، حليف لهم.

ط – ومن بني سالم بن عوف، رجل واحد، وهو:

1 – نوفل بن عبد الله بن نضلة.

ي – ومن بني أصرم بن فهر بن ثعلبة رجلان، وهما:

__________

(1) هو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي الأنصاري، كان أبوه رأس المنافقين، أما هو فقد كان من خيرة شباب الإسلام، كان صحابيًّا جليلا شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه لما ظهر نفاقه فلم يأذن له، بل قال له أحسن صحبته، قتل عبد الله هذا شهيدًا في حرب الردة باليمامة سنة اثني عشرة، وكان فيمن كتب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

1 – عبادة بن الصامت.

(2) – أوس بن الصامت.

ك – ومن بني دعد بن فهر بن ثعلبة، رجل واحد، وهو:

1 – النعمان بن مالك بن ثعلبة.

ل- ومن بني لوذان بن سالم عشرة نفر:

1 – ثابت بن هزال.

2 – مالك بن الدخشم بن مرضخة (وهو من بني مرضخة).

3 – ربيع بن إياس بن عمرو بن غنم.

4 – ورقة بن إياس.

5 – عمرو بن إياس (حليف لهم) من أهل اليمن.

6 – المجذر بن زياد البلوى حليف لهم.

7 – عبادة بن الخشخاش بن عمرو.

8 – نحاب، ويقال له، (بحاث) بن ثعلبة بن حزمة.

9 – عبد الله بن ثعلبة بن حزمة.

10 – عتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية (حليف لهم).

م – ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان، وهما:

1 – أبو دجانة (سماك بن أوس بن خرشة).

2 – المنذر بن عمرو بن خنيس. ويقال: المنذر بن عمرو بن خنبش.

ن – ومن بني البدى بن عامر بن عوف رجلان، وهما:

1 – أبو أسيد بن ربيعة بن البدى.

2 – مالك بن مسعود بن البدى.

 

س – ومن بني طريف بن الخزرج ستة نفر:

1 – عبد ربه بن حق بن أوس.

2 – كعب بن حمار (ويقال بن جماز بن ثعلبة الغبشاني الجهني)، حليف لهم.

3 – ضمرة بن عمرو (ويقال ابن بشر الجهني)، حليف لهم.

4 – زياد بن عمرو (ويقال أيضًا ابن بشر) الجهني، حليف لهم.

5 – بسبس بن عمرو الجهني، حليف لهم.

6 – عبد الله بن عامر البلوى، حليف لهم.

ع – ومن بني جشم بن الخزرج إثنا عشر رجلا، وهم:

1 – خراش بن الصمة بن عمرو.

2 – الحباب بن المنذر.

3 – عمير بن الحمام.

4 – تميم (مولى خراش بن الصمة).

5 – عبد الله بن عمرو بن حرام.

6 – معاذ بن عمرو بن الجموح.

7 – خلاد بن عمرو بن الجموح.

8 – عقبة بن عامر بن نابي (1).

9 – حبيب بن أسود (مولى لهم).

10 – ثابت بن ثعلبة بن زيد.

11 – معوذ بن عمرو بن الجموح.

12 – عمير بن الحارث بن ثعلبة.

__________

(1) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

 

ف – ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب تسعة نفر، وهم:

1 – بشر بن البراء بن معرور بن صخر.

2 – الطفيل بن مالك بن خنساء.

3 – سنان بن صيفى بن خنساء.

4 – عبد الله بن الجد بن قيس بن صخر بن خنساء.

5 – عتبة بن عبد الله بن صخر بن خنساء.

6 – خارجة بن حمير الأشجعي، حليف لهم.

7 – عبد الله بن حمير، حليف لهم.

8 – الطفيل بن النعمان بن خنساء.

ص – ومن بني خناس بن سنان بن عبيد سبعة نفر، وهم:

1 – يزيد بن المنذر بن سرح بن خناس.

2 – معقل بن النفر بن خناس.

3 – عبد الله بن النعمان بن بلدمة.

4 – الضحاك بن حارثة بن زيد.

5 – سواد بن زريق بن ثعلبة.

6 – معبد بن قيس بن صخر بن حرام.

7 – عبد الله بن قيس بن صخر بن حرام.

أ- ومن بني النعمان بن عبيد أربعة نفر، وهم:

1 – عبد الله بن عبد مناف بن النعمان.

2 – جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان.

3 – خليدة بن قيس بن النعمان.

4 – النعمان بن سنان (مولى لهم).

 

ب – ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة أربعة نفر، وهم:

1 – يزيد بن حديدة.

2 – سليم بن عمرو بن حديدة.

3 – قطبة بن عمرو بن حديدة.

4 – عنترة (مولى سليم بن عمرو).

ج – ومن بني عدى بن نابى بن عمرو بن سواد بن غنم ستة نفر، وهم:

1 – عبس بن عامر بن عدي.

2 – ثعلبة بن غنمة بن عدي.

4 – سهل بن قيس بن أبي كعب.

5 – عمرو بن طلق بن زيد بن أُمية.

6 – معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس.

د – ومن بني زريق بن عامر بن زريق سبعة نفر وهم:

1 – قيس بن محصن بن خالد.

2 – أبو خالد (الحارث بن قيس بن خالد).

3 – جبير بن إياس بن خالد.

4 – أبو عبادة (سعد بن عثمان بن خلدة).

5 – ذكوان بن عبد قيس بن خلدة.

6 – عقبة بن عثمان بن خلدة.

7 – مسعود بن خلدة بن عامر.

هـ – ومن بني خالد بن عامر بن زريق رجل واحد، وهو:

1 – عباد بن قيس بن عامر بن خالد.

و- ومن بني خلدة بن عامر بن زريق خمسة نفر:

1 – أسعد بن يزيد بن الفاكهة.

 

2 – الفاكهة بن بشر بن الفاكهة.

3 – معاذ بن ماعص بن قيس.

4 – عائذ بن ماعص بن قيس.

5 – مسعود بن سعد بن قيس.

ز – ومن بني العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ستة نفر، وهم:

1 – رفاعة بن رافع بني العجلان.

2 – خلاد بن رافع بن مالك.

3 – عبيد بن زيد بن عامر.

4 – عبيد بن مالك بن عمرو.

5 – مليل بن وبرة بن خالد.

6 – عصمة بن الحصين بن وبرة.

ح – ومن بني بياضة بن عامر بن زريق ستة نفر، وهم:

1 – زياد بن لبيد بن عامر.

2 – فررة بن عمرو بن وذفة.

3 – خالد بن قيس بن مالك.

4 – رجيلة بن ثعلبة بن خالد.

5 – عطية بن نويرة بن عامر.

6 – خليفة بن عدي بن عمرو. ويقال عليفة.

ط – ومن بني حبيب بن عبد حارثة رجلان، وهما:

1 – رافع بن المعلى بن لوذان.

2 – هلال بن المعلى بن لوذان.

ي – ومن بني النجار (وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج) ثلاثة وخمسون رجلًا وهم:

 

1 – خالد بن زيد بن كليب.

2 – ثابت بن خالد بن النعمان.

3 – عمارة بن حزم بن زيد.

4 – سراقة بن كعب بن عبد العزى.

5 – حارثة بن النعمان بن زيد.

6 – سليم بن قيس بن فهد.

7 – سهيل بن رافع بن أبي عمرو.

8 – عدي بن الزغباء (حليف لهم) من جهينة.

9 – مسعود بن أوس بن زيد.

10 – أبو خزيمة بن أوس بن زيد.

11 – رافع بن الحارث بن سواد.

12 – عوف بن الحارث بن رفاعة.

13 – معوذ بن الحارث بن رفاعة.

14 – معاذ بن الحارث بن رفاعة، (وهؤلاء الثلاثة هم بنو عفراء).

15 – النعمان بن عمرو بن رفاعة، ويقال (نعمان).

16 – عامر بن مخلد بن الحارث.

17 – عبد الله بن قيس بن خالد.

18 – عصيمة (حليف لهم من أشجع).

19 – وديعة بن عمرو (حليف لهم من جهينة).

20 – ثابت بن عمرو بن زيد.

21 – ثعلبة بن عمرو بن محصن.

22 – سهل بن عتيك بن عمرو.

 

23 – الحارث بن الصمة بن عمرو (1). ويقول ابن إسحاق أنه أصابه كسر وهو بالروحاء، فضرب له النبي – صلى الله عليه وسلم – بسهمه فصار بدريًا.

24 – أُبي بن كعب بن قيس (2).

25 – أنس بن معاذ بن أنس.

26 – أوس بن ثابت بن المنذر.

27 – أبو شيخ (أبي بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت).

28 – أبو طلحة (زيد بن سهل بن الأسود) (3).

29 – حارثة بن سراقة بن الحارث.

30 – عمرو بن ثعلبة بن وهب.

31 – سليط بن قيس بن عمرو بن عتيك.

33 – أَبو زيد قيس بن سكن.

34 – أبو خارجة عمرو بن قيس بن مالك.

35 – ثابت بن خنساء بن عمرو.

36 – عامر بن أُمية بن زيد.

37 – محرز بن عامر بن مالك.

38 – سواد بن غزبة بن أهيب البلوى (حليف لهم).

39 – الحارث بن ظالم بن عباس (أبو الأعور)، ويقال أبو الأعور بن الحارث بن ظالم.

39 – سليم بن ملحان بن خالد بن زيد.

__________

(1) كان الحارث بن الصمة من الأبطال الذين ثبتوا مع الرسول يوم أحد، انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

(2) انظر ترجمته في كتابنا (غزوه أحد).

(3) أبو طلحة هذا من الأبطال المشهورين، انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).

 

41 – حرام بن ملحان بن خالد.

42 – قيس بن أبي صعصعة.

43 – عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف.

44 – عصيمة (حليف لهم من بني أسيد بن خزيمة).

45 – عمير بن عامر بن مالك.

46 – سراقة بن عمرو بن عطية.

47 – قيس بن مخلد بن ثعلبة.

48 – النعمان بن عبدہ عمرو بن مسعود.

49 – الضحاك بن عبد عمرور بدن مسعود.

50 – سليم بن الحارث بن ثعلبة.

51 – جابر بن سهيل بن عبد الأشهل.

52 – سعد بن سهيل بن عبد الأشهل.

53 – كعب بن زيد بن قيس.

54 – بجير بن أبي بجير (حليف لهم من غطفان).

 

حديث القرآن عن معركة بدر

وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة بدر فتناول أهم الأحداث التي جرت فيها، فقد أنزل الله تعالى فيها سورة الأنفال بأكملها وهي خمس وسبعون آية.

قال ابن إسحاق .. فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز وجل فيه من القرآن (الأنفال) بأسرها.

وأول ما تحدث عنه القرآن الكريم اختلاف عسكر بدر من المسلمين حول الغنائم والأسلاب، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ

 

الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

وقد كانت هذه الآية الكريمة بمثابة قرار حاسم لحل الخلاف بين العسكر حول الغنائم، إذ جعل الله أمرها عائدًا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلى المسلمين أن يطيعوا أمره.

وقد قسم النبي – صلى الله عليه وسلم – الغنائم بين الجيش على السواء.

فكان عبادة بن الصامت يقول – إذا سئل عن سورة الأنفال – فينا معشر أهل بدر نزلت حين اختلفنا في النفل يوم بدر، فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أَخلاقنا، فرده على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قسمه بيننا عن بواء -يقول .. على السواء-، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وصلاح ذات البين.

كذلك أشار القرآن الكريم إلى خروج النبي – صلى الله عليه وسلم – من المدينة لملاقاة عير قريش، وحرض المسلمين على الاستيلاء على القافلة، وكراهة البہعض ملاقاة قريش، فقال تعالى:

{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.

وقد ذكر القرآن أيضًا دعاء قريش واستفتاح أبي جهل قبل المعركة والذي قال فيه (كما تقدم) .. اللهم اقطعنا للرحم وآتنا بما لا نعرف، فأحنه الغداة (أي اجعل حينه غدًا) .. فقال تعالى:

 

{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا} (أي بعدما أصابكم في بدر {فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} (أي نوقع بكم مثلما أوقعنا بكم في بدر) {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}.

كذلك تحدث القرآن عن القاء العجيب الذي كان غير متوقع (بالنسبة للمسلمين) بين الفريقين في بدر، إذ أن المسلمين لم يخرجوا للحرب وإنما خرجوا للاستيلاء على العير، فوجدوا أنفسهم أمام جيش العدو الذي ما كانوا على ميعاد معه، فقال تعالى:

{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ} (أي العير التي نجت {أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

كما تحدث القرآن الكريم عن حالة الوجل والخوف التي خاف فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – على جيشه الصغير من الفناء في هذه المعركة، فاستغاث ربه، كما تحدث القرآن عن الملائكة الذين شهدوا المعركة لتقوية روح المسلمين المعنوية وتثبيتهم، فقال تعالى:

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

كذلك أشار القرآن إلى الطمأنينة التي جهز الله بها الجيش الإسلامي قبل المعركة، والثبات الذي مدهم به فلقوا عدوهم بقلوب ثابتة، لم يجد الخوف سبيلا إليها، فقال تعالى:

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ

 

بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}.

كذلك تحدث القرآن عن خفقة النعاس التي أصابت النبي – صلى الله عليه وسلم -، وهو في العريش (والمعركة قائمة) والتي رأَي فيها (أَى الخفقة) البشارة بالنصر، فبشَّر أبا بكر بذلك (كما تقدم) فقال تعالى:

{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

كذلك أشار القرآن إلى رمي النبي – صلى الله عليه وسلم – المشركين بالحصباء عند إصدار أوامره بالهجوم عليهم، فقال تعالى: {وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيدِ الْكَافِرِينَ}.

قال ابن إسحاق (يصف أمر الرسول بالهجوم على المشركين بعد رميهم بالحصباء) قال:

(ثم إن رسول الله أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشًا بها، ثم قال .. شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال .. شدوا، فكانت الهزيمة).

وتحدث القرآن أيضًا عن حالة صار عليها المسلمون عند لقاء عدوهم. حالة لا بد من أَن يكون عليها كل من يتوق إلى النصر، وهي احتقار قوة العدو وعدم الخوف منها (وإن كانت كثيرة) تحداث القرآن عن امتنان الله على العسكر الإِسلامي بإيجادها عندهم لئلا تهولهم كثرة العدو الغامرة فيتخاذلوا، فقال تعالى:

{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} ..

كذلك تحدث القرآن مذاكرًا المسلمين بنصرهم المؤزر الذي أَحرزوه

 

في معركة بدر الذي كان سببًا في تغيير مجرى حياتهم وتدعيم مركزهم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي صاروا بعده سادة المنطقة بعد أَن كانوا ضعفاء خائفين لا يأْمنون على أنفسهم، فقال تعالى:

{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

كما طلب من المسلمين عامة، وعسكر بدر (خاصة) أَن يعطوا الطاعة الكاملة دائمًا لله ولرسوله، وأن لا يختلفوا فيما بينهم، فيصيبهم الفشل الذي هو (دائمًا) من لوازم الخلاف، كما طلب منهم الابتعاد دائمًا عن الغرور والرياء والكبر الذي كان سببًا في نكبة جيش مكة الذي قاده غرور وبطر أبي جهل إلى هزيمة نكراء لم تشهد مكة مثلها في تاريخها فقال تعالى:

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ وَقَال لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيهِ وَقَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

 

الفرار من الزحف

كما أَن القرآن (أيضًا) في هذه السورة حذر المؤمنين من الفرار ساعة اللقاء، وبين لهم في مثلة بأن الهرب ساعة الالتحام بالعدو جريمة وخيانة كبرى جزاء فاعلها جهنم، فقال تعالى:

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

كذلك حث القرآن المسلمين في هذه السورة التي نزلت في جو مشحون بروح الحرب .. حث المسلمين فيها على عدم التهاون في محاربة أعداء الإسلام والتنكيل بهم فقال تعالى:

{إِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}.

غير أَن القرآن إذا كان قد حث أتباعه في ذلك الظرف الخطير على التزام جانب القوة وخوض المعارك لضرب المعتدين الذين يتربصون بالإسلام الدوائر، فإن دعوته الأساسية للسلم الذي لم يشرع الحرب إلا لتحقيقه، هذه الدعوة ظل القرآن يدعو لتحقيقها كمطلب أساسي لدعوته فقال تعالى:

{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

كذلك لم يغفل القرآن في هذه السورة الثناء على المهاجرين والأَنصار الذين بسيوفهم (بعد تأْييد الله) حققوا للإسلام أعظم نصر دخل المسلمون عن طريقه التاريخ من بابه الواسع فقال تعالى:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا (أَي الأَنصار) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.

 

كما أَن القرآن الكريم عاتب النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذه السورة على تصرفه في أَسرى بدر، حينما أطلق سراحهم مقابل مبلغ من المال يدفعونه للمسلمين، حيث كان من الأولى قتلهم لتحطيم معنويات المشركين وكسر شوكتهم الحربية وإعزاز جانب الإِسلام، لاسيما في ذلك الجو الذي كانت فيه قريش تتحفز لإِبادة المسلمين وتحشِّد الحشود لخضد شوكتهم، فقال تعال (معاتبًا نبيه – صلى الله عليه وسلم -):

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

 

الفصل السادس

  • عودة الجيش إلى المدينة.

 

  • الخلاف حول الغنائم والأسرى.
  • كيف تلقت المدينة أنباء النصر.
  • وقع الهزيمة في مكة.
  • الموقفت العام في المدينة بعد النصر.
  • محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم.
  • أثر الانتصار على سكان الجزيرة.
  • نظرة وتحليل، ورجاء وخاتمة.

 

الخلاف حول الغنائم بعد معركة بدر

وقل أقام النبي – صلى الله عليه وسلم – مع جيشه ببدر ثلاثة أيام، وقبل رحيله من مكان المعركة حدث خلاف بين الجيش حول الغنائم

فقال الذين ظلوا يطاردون العدو بعد الهزيمةة، نحن شغلنا العدو عنكم حتى أصبتم الغنائم، وقال حرس القيادة ما أنتم بأَحق به منا، لقد رأَينا أَن نأْخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله كرّة العدو فقمنا دونه، وقال الذين جمعوا الغنائم هي لنا، لأَننا نحن الذين استولينا عليها.

ولما اشتد الخلاف أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأَن يرد الجميع ما بأَيديهم

 

لينظر في الأَمر فيا بعد، ثم لم يمض وقت طويل حتى نزل حل مشكلة الغنائم من السماء، فقسمها الرسول – صلى الله عليه وسلم – بين المحاربين على السواء، وذلك بعد أَن أنزل الله عليه سورة الأنفال التي افتتحت بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقد تم تقسيم الغنائم في أثناء الطريق بمكان قريب من مضيق وادي الصفراء، بين المضيق وبين النازية (1) والنبي عائد من بدر إلى المدينة.

 

عودة الجيش إلى المدينة بعد معركة بدر

وبعد أَن أقام ببدر ثلاثة أَيام أَصدر – صلى الله عليه وسلم – أَوامره إلى جيشه الظافر بالتحرك نحو المدينة (2)، ومن مكان المعركة بعث برسولين ليسبقاه إلى المدينة ليبشرا أهلها بالنصر، أحدهما من المهاجرين وهو زيد بن حارثة، والآخر من الأَنصار وهو عبد الله بن رواحة.

 

قتل عقبة بن أبي معيط

وعندما وصل الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى الصفراء أَمر بقتل النضر بن الحارث بن كلدة، وهو حامل لواء المشركين يوم بدر ومن أَكبر مجرمي تلك الحرب ومن أشد الناس كيدًا للإسلام قتله علي بن أَبي طالب رضي الله عنه

__________

(1) كان رجوع النبي بجيشه من بدر يوم الأربعاء في الثالث والعشرين من رمضان.

(2) سمط النجوم العوالي ج 2 ص 38: والصفراء – بالتأنيث – وادي الصفراء بينه وبين بدر – من ناحية المدينة – مرحلة واحدة. والنازية – بالزال وتخفيف الياء – عين بالقرب من الصفراء.

 

والنضر هذا، هو الذي قالت ابنته قتيلة فيه تلك الأَبيات. المشهورة التي تعد من أروع الشعر المؤثر:

يا راكبًا إن الأَثيل مظنة … من صبح خامسة وأَنت موفق

أبلغ بها ميتًا بأَن تحية … ما أَن تزال به النجائب تخفق

منى إليك وعبرة مسفوحة … جادت بواكفها وأخري تخنق

هل يسمعني النضر إن ناديته … أم كيف يسمع ميت لا ينطق

أَمحمد يا خير ضنء كريمة … في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرك لو منَنْت وربما … منَّ الفتى وهو المغيض المحنق

أَو كنت قابل فداية فلينفقن … بأَعز ما يغلو به ما ينفق

فالنضر أقرب من أَسرت قرابة … وأَحقهم إن كان عتق يعتق

ظلت سيوف بني أَبيه تنوشه … لله أَرحام هنالك تشقق

صبرًا يقاد إلى المنية متعبًا … رسف القيود وهو عان موثق

ويقول بعض الرواة إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما بلغه هذا الشعر الجزل تأثر وقال، لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه، وتفيد رواية ابن هشام عدم صحة هذه الرواية، وهو المعقول لأن الرسول لم يأْمر بقتله إلا وهو مستحق، فلا تكون أَبيات من الشعر مغيرة لحكم مشروع.

 

لماذام قتل عقبة بن أبي معيط؟

ولما وصل – صلى الله عليه وسلم – إلى عرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط،

 

وهو من بني أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح (1).

ويقول بعض الرواة إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما أَمر بقتل عقبة قال .. أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال نعم، ثم قال الرسول لأَصحابه. أَتدرون ما صنع هذا بي؟ .

جاءني وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أَن عيني ستندران من رأْسي، وجاء مرة أُخرى بسلا شاة (2) فألقاه على رأْسى وأَنا ساجد فجاءت فاطمة (3) فغسلته عن رأْسى.

__________

(1) هو عاصم بن ثابت بن الأفلح الأنصاري، كان من السابقين الأولين، وكان محاربًا فذًا، روي أن النبي – ليلة بدر – سأل من معه، كيف تقاتلون، فأخذ عاصم بن ثابت القوس والنبل، وقال، إذا كان القوم قريبًا من مائتي ذراع كان الرمي، وإذا دنوا حتى تنالهم الرماح كانت المداعسة حتى تقصف فإذا تقصفت وضعناها وأخذنا السيوف وكانت المجالدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هكذا نزلت الحرب من قاتل فليقاتل كما يقاتل عاصم، قتل عاصم غدرًا في يوم الرجيع أرض هذيل بالحجاز وذلك في السنة الثالثة من الهجرة، والقصة مفصلة في سيرة ابن هشام.

(2) السلا -بكسر السين- ما يعقب الولادة من أوساخ وقاذورات:

(3) هي فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أصغر بنات النبي وأحبهن إليه ولدت والكعبة تبنى والنبي صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين سنة، تزوجها علي رضي الله عنه في أوائل سنة اثنتين من الهجرة، وذلك بعد مضى أربعة أشهر على تزوج أبيها صلى الله عليه وسلم من عائشة، وقد أجمع المؤرخون على أن نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انقطع إلا من فاطمة، قالت عائشة ما رأيت أحدًا أفضل من فاطمة بعد أبيها، وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل نساء العالمين أربع: مريم، وآسيا، وخديجة، وفاطمة، توفيت فاطمة رضي الله عنها يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة.

 

مجرمو الحرب بعد معركة بدر

والنضر بن الحارث، وعقبة بن أَبي معيط، هما الأَسيران الوحيدان اللذان قتلا صبرًا من بين أَسرى بدر. وكان هذان الرجلان من أَشد عباد الله كفرًا وعنادًا وبغيًا وحسدًا وكانا من أكبر دعاة الحرب ومثيرها ضد الإسلام، والمتربصين بالرسول الدوائر، وبقاؤهما مصدر خطر كبير على الإسلام، لا سيما في تلك الظروف الحربية التي تجتازها دعوة محمد – صلى الله عليه وسلم – فهما إذن من مجرمي الحرب الذين لو أُطلق سراحهم لما تورعوا عن سلوك أَي طريق فيه تدمير لمحمد وأَصحابه ونسف لدعوتهم، ولا أدل على ذلك مما كانا يرتكبانه من إهانات وتنكيل في حق محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو أعزل آمن في مكة.

فقتلهما (إذن) ضرورة تحتمها مصلحة دعوة الإِسلام الفتية، لا سيما وأَنهما من أَكبر مجرمي الحرب المسؤولين عن إشعال نيران معركة بدر التي خاضتها قريش بغيًا وعدوانًا، وما كانت لتخوضها لولا عناد أَمثال هذين الزعيمين المجرمين اللذين وأَمثالهما ساقا مكة إلى الحرب قسرًا بدافع الحقد على الإسلام. وإذا كان الرسول قد قتل هذين الأسيرين العريقين في الإِجرام فقط، وقبل الفداء عن غيرهما من الأَسرى ومنّ على البعض الآخر، فإِن القرآن قد نزل بالعتاب على إطلاق سراح الأَسرى الذي تم إما بالمنِّ وإما بالفداء، فقد كان القرآن يحبذ الإِثخان في هؤلاء الأسرى ويفضل القتل على قبول الفداء.

وقد جاء هذا العتاب صريحًا في قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1).

__________

(1) الأنفال 27، 28.

 

إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء الله ورسوله، وقد أَبطرتهم منازلهم فساقوا عامة مكة إلى حرب ما كان لها من داع فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأَيدي من خناقهم؟ (1)

لقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون قلة والمشركون كثرة، وكان نقص عدد المحاربين من المشركين بالقتل أو بالأسر كسبًا ضخمًا في هذه الحالة لا يعدله مال.

وكان هنالك معنى آخر يراد تقريره في النفوس وتثبيته في العقول، ذلك هو المعنى الكبير الذي أَشار إليه عمر رضي الله عنه في صرامة ونصاعة (وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين) لهذين السببين الكبيرين نحسب أن الله كره للمسلمين أن يفادوا أساري بدر (2).

فقتل الأَسيرين إذن .. النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إنما هو تنفيذ لما كان يريد القرآن تنفيذه وأمر تتطلبه ظروف المسلمين الحربية التي أجبروا فيها على خوض المعارك، التي أثارها هؤلاء البغاة وأَشعلوا أواردها بالقرب من ديار المسلمين.

 

وفود التهنئة بعد معركة بدر

ولما وصل النبي إلى الروحاء (3) لقيه رؤوس المسلمين من أَهل المدينة يهنئونه بما فتح الله عليه، فقال لهم سلمة بن سلامة، ما الذي

__________

(1) فقه السيرة ص 182.

(2) في ظلال القرآن ج 10 ص 25.

(3) الروحاء موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة.

 

تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن (1) فتبسم الرسول – صلى الله عليه وسلم – ثم قال، يا ابن أَخي أولئك الملأُ (2).

وقال أسيد بن الحضير، (وكان فيمن قدم إلى الروحاء للتهنئة) يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن إنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله: صدقت (3).

 

كيف تلقت المدينة أنباء النصر في بدر

عند وقوع معركة بدر كان سكان المدينة يتألقون من عناصر ثلاثة:

المسلمون .. واليهود .. والمنافقون.

وقد كان اليهود والمنافقون يتمنون، بل ويتوقعون الهزيمة للمسلمين والنصر والغلبة المشركين في هذه المعركة.

وقد نظم هؤلاء – قبل وصول البشير بنصر المسلمين – حملة من الإرجاف وبلبلة الأفكار أشاعوا فيها خبر قتل النبي وتمزيق جيشه في معركة بدر.

وبينما كان المسلمون يترقبون – في تلهف وهم على أحرّ من الجمر – أنباء المعركة، وبينما كانت الإشاعة والإرجاف بهزيمة المسلمين تملآن أرجاءَ المدينة، بشكل كادت تذهب له عقول المسلمين خوفًا على نبيهم

__________

(1) جمع بدنة، والبدنة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة، تطلق على الذكر والأنثى.

(2) أي الأشراف.

(3) البداية والنهاية ج 3 ص 304.

 

وجيشهم الفتى الصغير .. إذا بصوتي عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة (1) يهزان أنحاء المدينة تهليلا وتكبيرًا معلنين انتصار المسلمين الكامل وهزيمة المشركين الساحقة وقرب قدوم النبي – صلى الله عليه وسلم – وجيشه سالمين غانمين فعمت البهجة والسرور نفوس المسلمين، وزالت عنهم جميع الهواجس المزعجة التي انتابتهم نتيجة الإشاعات الكاذبة والإرجاف المقصود الذي نظمه اليهود والمنافقون.

وبالرغم من وصول البشير بنصر المسلمين وهزيمة المشركين، فقد حاول اليهود والمنافقون تكذيب أنباء الانتصار التي وصل بها البريد النبوي من بدر.

فاستمروا في إرجافهم، حتى إن أحد المنافقين عندما رأَى زيد بن حارثة – أحد المبشرين بالنصر – راكبًا القصواء ناقة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بحضور أبي لبابة الأنصاري قال: لقد قتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدرى ماذا يقول من الرعب، وجاء فلا (2) وقالت اليهود ما جاء زيد إلا فلا.

__________

(1) هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة استرقاقه أن أمه زارت قومها وزيد معها فأغارت خيل لبنى القين بن جسر في الجاهلية على بيوت بني معن فاحتملوا زيدًا وهو غلام صغير، فباعوه في سوق عكاظ، اشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة , فلما تزوجها رسول الله وهبته له، وكان أبوه حارثة قد حضر إلى مكة وطلب من النبي أن يقبل الفداء فيه ويعيده إليه، فقال، ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارنى فوالله ما أنا بالذي اختار على من اختارنى فداء، وعند تخيير زيد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك قبل الهجرة، عاش زيد في بيت النبوة، فكان من السابقين الأولين في الإسلام، ثم صار من القادة البارزين، كان أول القادة الثلاثة الذين أداروا دفة معركة مؤتة وكان أول هؤلاء القادة استشهادًا حيث قتل وهو يقود المعركة ضد الرومان.

(2) رجل فل , وقوم فل، منهزم ومنهزمون، يستوي فيه الواحد والجمع.

 

ولشدة الإرجاف وقوة الإشاعة بقى كثير من المسلمين مترددين في تصديق خبر انتصار المسلمين.

قال أسامة بن زيد (1) لقد جئت أبي (وهو أحد مبعوثي النبي من بدر بخبر النصر) حتى خلوت به فقلت له أحق ما تقول؟ ؟ فقال أي والله، حق ما أقول.

قال أسامة فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت له، أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين، لتقدمنك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا قدم فليضربن عنقك، فقال المنافق (متخاذلا) إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه.

 

طلائع الجيش المنتصر في بدر

وبالرغم من تأكيد الرسولين (ابن حارثة وابن رواحة) خبر نصر المسلمين وهزيمة المشركين، فقد ظل اليهود والمنافقون يقاومون ما قرع آذانهم من بشائر الفوز المحقق، واستمروا في مكابرتهم حتى أخرستهم الحقيقة الملموسة المجسدة التي لا تجدى معها إشاعة أو إرجاف.

__________

(1) أسامة هذا هو ابن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد أسامة في الإسلام، وقد أعطاه الرسول (قبل موته بقليل) القيادة على جيش عظيم الغزو أطراف الشام، تولى أسامة قيادة هذا الجيش وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان عمر بن الطاب ممن انضوى تحت لوائه، وقد مات الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يفصل جيش أسامة من المدينة فبقى مرابطًا في ضواحي المدينة حتى بويع أبو بكر بالخلافة، ثم أمر هذا الجيش بأن يواصل سيره إلى الجهة التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة أسامة، إلا أن أبا بكر استأذن أسامة في السماح لابن الخطاب (الذي كان أحد جنوده) أن يبقى معه في المدينة ففعل: اعتزل أسامة الفتنة بعد قتل عثمان ووقف على الحياد بين الفريقين حتى توفاه الله في أواخر خلافة معاوية رضي الله عنه.

 

فقد أُسقط في أيدى هؤلاء اليهود والمنافقين، عندما رأَوا طلائع الجيش المحمدى المنتصر تزدحم بها طرقات المدينة، وأمامها يساق أَسرى البغي والعدوان مقرَّنين في الأَصفاد، تعلو وجوههم ذلة الهزيمة.

وقد كاد اليهود والمنافقون يتهمون أبصارهم عندما رأَوا سهيل بن عمرو، وعمرو بن أبي سفيان والعباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث، والوليد بن الوليد وغيرهم من سادات مكة وقادتها، قد شدت أيديهم إلى الوراء يتعثرون في خطاهم بين أفواج أَسرى الشرك.

حقًّا لقد كانت النهاية التي انتهت بها معركة بدر، حدثًا خطيرًا اهتزت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أَقصاها.

 

الرسول المنتصر ببدر يدخل المدينة

وقبل وصول الأسرى مع طلائع الجيش إلى المدينة بيوم واحد دخلها صلى الله عليه وسلم يحيط به قادة جيشه وهيئة أَركان حربه.

وقد استقبلته المدينة استقبالا رائعًا، أما اليهود والمنافقون فقد اسودت وجوههم واستبد بهم الغل والحقد فأفقدهم رشدهم وأذهب صوابهم.

 

معاملة أسرى بدر

أما الأسرى فقد فرقهم النبي على جماعته وأوصى بهم خيرًا.

قال أبو عزيز وهو أحد الأسرى، وأَخو مصعب بن عمير , حامل لواء المسلمين يوم بدر .. قال: كنت في رهط من الأنصار حتى أقبلوا من بدر، فكانوا، إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم، خصونى بالخبز وأكلوا

 

التمر، لوصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إياهم بنا، فما تقع في يد رجل كسرة من الخبز إلا نفحني بها، قال فأَستحى فأَردها عليه، فيردها على ما يمسها.

 

الاختلاف حول مصير أسرى بدر

وبعد أن استقر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة عقد مجلسًا استشاريًا أَعلى شهده كبار الصحابة، لبحث موضوع الأسرى وتقرير مصيرهم، وقد شهد هذا المجلس أبو بكر وعمر وعثمان (1) وعلي وعبد الله بن رواحة وغيرهم من كبار الصحابة وقادة الجيش المنتصر.

وقد اختلف أعضاء هذا المجلس حول مصير الأسرى. فقد كان فريق يرى إبادة هؤلاء الأسرى جميعهم، وعلى رأس هذا الفريق عمر بن الخطاب الذي قال:

“يا رسول الله .. كذبوك وأخرجوك، قدّمهم واضرب أعناقهم” وشاطر عمر هذا الرأي، القائد عبد الله بن رواحة الأنصاري الذي قال:

__________

(1) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي، غني عن التعريف .. الخليفة الراشد الثالث، وزوج ابنتي رسول الله، رقية وأم كلثوم أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم “لكل نبي رفيق ورفيقى في الجنة عثمان”، لم يشهد بدرًا لأنه تخلف لمرض زوجته رقية التي توفيت يوم قدوم البشير إلى المدينة بانتصار المسلمين في بدر، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره كأي محارب في معركة بدر، تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب، قتل بالمدينة ظلمًا في تلك الفتنة العمياء التي أثارها المجرمون والتي لا يزال المسلمون يحيون في ظلامها حتى اليوم، وكان قتله رضي الله عنه في التاسع عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين هجرية، قتله المجرمون وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.

 

يا رسول الله .. انظر واديا من حطب فأَدخلهم فيه ثم أُضرمه عليهم نارًا، وكان العباس بن عبد المطلب (وهو أحد الأَسرى) يسمع، فقال لابن رواحة قطعتك رحمك.

وكان فريق آخر يرى الرأْفة بهم والتأَني في شأْنهم، وعلى رأْس هذا الفريق أبو بكر الصديق الذي قال:

يا رسول الله .. قومك وأهلك، استبقهم واستأْن بهم لعل الله أَن يتوب عليھم.

 

القرار الأخير بعد بدر

وبعد أن عرف الرسول رأْى الفريقين شكرهما وأثنى على اجتهادهما، حيث شبيه رأْي الفريق الأَول الذي يرى إبادة الأَسرى برأْي نبي الله نوح الذي طلب من الله تدمير قومه بقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)}. (1)

وشبه الفريق الثاني الذي يرى الرأْفة بالأَسرى، بنبي الله عيسى الذي قال في قومه: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} (2).

إلا أَن الرسول اتخذ بشأْن هؤلاء الأسرى رأيًا وسطًا بين الرأيين، فقد خير الأَسرى بين القتل أَو الفداء، حيث قال لهم: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منكم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق.

وهكذا انتهت مشكلة الأَسرى، وأَبلغت المدينة مكة هذا القرار، وتم على أساسه فما بعد إطلاق سراح الأَسرى جميعًا، إما بواسطة الفداء

__________

(1) نوح 25.

(2) المائدة 118.

 

الذي دفعه الموسرون، وإما بواسطة المنِّ الذي تكرم به – صلى الله عليه وسلم – وأطلق سراح بعض الأَسري من غير فداءٍ لفقرهم.

كما اتفق مع المثقفين من الأسرى على إطلاق سراحهم مقابل قيامهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة.

 

آية العتاب بشأن الأسرى

غير أنه بعد صدور قرار الرسول بشأْن الأَسرى نزل وحى من السماء فيه عتاب بشأن هذا القرار.

فقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، غدوت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر وهما يبكيان فقلت، يا رسول الله أَخبرني، ما الذي يبكيك أنت وصاحبك؟ , فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت. فقال – صلى الله عليه وسلم – الذي عرض على أصحابك من أخذهم عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة -الشجرة قريبة-، وأنزل الله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الآية.

 

كيف تلقت مكة نبأ هزيمة جيشها في بدر

لقد فر من ساحة المعركة يوم بدر من مشركي مكة حوالي ثمانمائة وخمسين مقاتلا، بہعثرتهہم الهزيمة الساحقة في وديان تهامة وشعابها. واتجهوا صوب مكة مذعورين , لا يدرى الواحد منهم كيف يدخلها خجلًا، للذي منوا به من اندحار على كثرتهم وقلة أعدائهم.

ففي الوقت الذي تلقت فيه المدينة نبأ انتصار المسلمين بالغبطة

 

والسرور والابتهاج، كانت مكة في ذهول شديد، عند تلقى الأنباء الأَولية عن هزيمتها، واستعصى على عقول أهلها تصديق تلك الأَنباء، إلى درجة أنهم اتهموا الناقل الأول لأَنباء الهزيمة بالجنون.

فما كان يخطر لهم على بال، وما كانوا يتصورون أن ألف مقاتل يضم خيرة شباب قريش وأَمهر قادتها وأشجع زعمائها سيندحر هكذا (وبهذه الصورة المخزية) أَمام ثلاثمائة مقاتل من أهل المدينة الذين يفوقهم جيش مكة في كل شيء أضعافًا مضاعفة.

 

اسألوه إن كان يعقل

كان أَول من صك أسماع أهل مكة بهزيمة جندهم، الحيسمان بن إياس الخزاعي (1)، الذي كان أحد الفارين وأول القادمين من ساحة المعركة.

تجمع حوله أهل مكة وأَحاطوا به كتلا متراصة يسألونه (في لهفة) عن نتيجة المعركة، وقال قائلهم: ما وراءاك يا حيسمان؟ .

فأبلغهم (وهو يلهث من شدة الإعياء) خبر الهزيمة الساحقة التي نزلت بجيشهم، وبينما كان يعد عليهم بعض أسماء الصرعى من زعماء مكة وقادتهہاوقف عليه صفوان بن أُمية (2) – وهو أحد زعماء الشركبن

__________

(1) الحيسمان -بفتح الحاء وضم السين- ابن إياس بن عبد الله الخزاعي، كان شريفًا في قومه، أسلم فحسن إسلامه.

(2) هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحى القرشي، قتل أبوه يوم بدر مشركًا، كان أحد الذين قاوموا في الخندمة يوم فتح مكة، كان من أشد الناس عداء الإسلام، وكان أحد الذين أهدر الرسول دمهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فهرب يوم الفتح، ثم عفا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فعاد إلى مكة وحضر وقعة حنين مع المسلمين قبل أن =

 

الذين لم يشهدوا بدرًا – وبمجرد استماعه إلى حديث الحيسمان عن الهزيمة أكد للحاضرين أنه مجنون، وليؤكد ذلك، قال لهم، اسأَلوه عنى إن كان يعقل؟ ؟ فقالوا له ما فعل صفوان بن أمية؟ .

قال، هو ذالك جالس في الحجر، وقد رأَيت أَباه وأخاه حين قتلا. فأُسقط في أيدى أهل مكة، وهاج الناس وماج بعضهم في بعض من هول الصدمة، وزاد الأَمر تأْكيدًا أن قدم أبو سفيان بن الحارث (1)، وهو أحد القادة الذين أداروا دفة القتال ضد النبي يوم بدر، فأيد ما أذاعة الحيسمان عن هزيمة الجيش المكي.

 

وقع الهزيمة في بدر على نفس أبي لهب

قال أبو رافع (2) مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قال كنت رجلًا ضعيفًا أعمل الأقداح، أَنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس إذ أقبل أَبو لهب (عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -) وهو يجر رجليه بہشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري.

فبينما هو جالس، إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث قد قدم،

__________

= يسلم، ثم أسلم وحسن إسلامه، كان من كرماء الجاهلية وفصحائها، شهد معركة اليرموك وكان قائد أحد الكراديس، مات بالمدينة في اليوم الذي قتل فيه عثمان.

(1) هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية، كان ممن يؤذى النبي ويهجوه، وكان شديد الأذى للمسلمين، أسلم عام الفتح، وشهد معركة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان ممن ثبت مع الرسول، مات سنة خمس عشرة من الهجرة وقيل سنة عشرين.

(2) كان أبو رافع عبدًا لسعيد بن العاص بن أمية، فأعتق كل من بنيه نصيبه فيه إلا خالد بن سعيد فإنه وهب نصيبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، فكان أبو رافع يقول أنا مولى رسول الله.

 

فقال له أبو لهب بن عبد المطلب، هلم إلي فعندك، لعمري، الخبر. قال فجلس والناس قيام عليه، فقال يا ابن أَخي، أَخبرنى كيف كان أَمر الناس؟ .

فقال الحارث، والله ما هو إلا أَن لقينا القوم، فمنحناهم أَكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأْسروننا كيف شاءُرا، وأَيم الله – مع ذلك – ما لمت الناس، لقيَنا رجال بيض على خيل بُلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء.

قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت، تلك والله الملائكة، قال فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهى ضربة شديدة، فثاورته فاحتملنى فضرب بي الأرض؛ ثم برك علي يضربي، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أُم الفضل (1) (زوج العباس بن عبد المطلب) إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فعلت في رأْسه شجة منكرة، وقالت استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته (2).

__________

(1) أم الفضل، اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، يقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، تزوج النبي شقيقتها ميمونة، كانت من رواة الحديث، أخذه عنها كثير من الصحابة، كانت أم الفضل من شريفات النساء، ماتت في خلافة عثمان قبل زوجها العباس.

(2) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 92 .. وقد روى ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية أن أبا لهب لما مات تركهـ ابناه بعد موته ثلاثًا ما دفناه حتى أنتن، وكانت قريش تتقى العدسة (مرض ں معد مشھور عند العرب) كما تتقى الطاعون، حتى قال لهما رجال من قريش، ويحكما ألا تستحيان إن أباكما قد أنتن في بيته لا تدفنانه؟ فقالا إنا نخشى عدوة هذه القرحة، فقال أحدهم انطلقا فأنا أعينكما عليه، فوالله ما غسلوه إلا قذفًا بالماء عليه بعيدًا ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة.

 

منع النياحة على قتلى بدر

وبعد أن تأكدت قريش من نتيجة المعركة، وعرف كل بيت في مكة مصابه فيها أقامت المناحات، وهي المآتم – وتلك عادة جاهلية أزالها الإسلام.

ناحت قريش على قتلاها فترة قصيرة من الزمن، بعدها أصدر قادة مكة أمرًا بأن لا ينوح أحد على قتيل من قتلى هذه المعركة البتة، وأن يلتزم الناس السكون تجلدًا، ولئلا يشمت محمد – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه بهم.

لقد كانت فاجعة مكة في معركة بدر فاجعة مروعة حقًّا، ما منيت بمثلها تاريخها الطويل إذ لم يكد ينجو بيت فيها من مأتم على ابن أو زوج أخ أو أب أو قريب.

ولهذا هال زعماءُ مكة وأزعجهم أن سمعوا جبال هذه المدينة تردد أصوات النائحات الثكالى أينما ذهبوا بشكل تنهار له أقوى الأعصاب، حيث انقلبت مكة من أقصاها إلى أقصاها إلى مناحة مفزعة رهيبة.

فسارع هؤلاء الزعماء إلى إصدار خطر كامل منعوا بموجبه البكاء على قتلى بدر، لئلا يشمت بهم المسلمون.

ولقد بلغ المصاب من الهول إلى درجة أن بعض أشراف مكة فقد أكثر من ابن له في هذه المعركة التي أشعلها أبو جهل دونما مبرر إلا الخيلاء والغرور.

فقدْ، فَقَدَ صفوان بن أُمية في هذه المعركة أباه أُمية وأخاه علي بن أُمية، وفقد أبو سفيان بن حرب ابنه حظلة وأسر ابنه عمرو، كما فقد عكرمة بن أبي جهل أباه (واسمه عمرو بن هشام) وعمه

 

العاص بن هشام، كما فقد خالد بن الوليد أَخاه الوليد بن الوليد.

 

أتبكى أن يضل لها بعير؟

وكان أشد الناس مصابًا في هذه المعركة، الأَسود بن المطلب، فَقَدَ في هذه المعركة ثلاثة من أَبنائه دفعة واحدة.

حيث قتل فيها ابنه زمعة (1)، وعقيل، والحارث، وكان الأَسود هذا شيخًا طاعنًا في السن وشريفًا في قومه.

وكان الحزن يحرق جوفه كلما تذكر مصرع أبنائه الثلاثة، وكان يود لو يسمح له زعماءُ مكة بإعلان البكاء على أولاده لتخفف عليه وطأة الحزن، فقد كان لا يذوق للنوم طعمًا حزنًا على أبنائه. وبينما هو على هذا الحال إذ سمع نائحة في الليل، فطمع أن يكون قد سمح بالنحيب ليبكي وينوح على أبنائه، وكان الأسود هذا قد ذهب بصره، فاستدعى غلامًا له، وقال له: انظر هل أَحل النحيب؟ – يعني هل رفع حظر البكاء على قتلى بدر؟ ؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة – يعني ابنه زمعة – وكان من أحب أبنائه إليه – فإن جوفي قد احترق.

فذهب الغلام يستطلع الخبر، ثم عاد ليخبر سيده بأن الحظر لا يزال قائمًا، وأن التي تنوح إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته، فهاجت أحزان الشيخ المفؤود وسالت دموعه، فقال بعد أن أدرك بذكائه أن صاحبة الجمل الضائع لم يكن بكاؤها – في الحقيقة على

__________

(1) زمعة بن الأسود بن المطلب هذا كان أحد النبلاء الخمسة الذين سعوا لإلغاء الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش على النبي وبني هاشم وبني المطلب قبل الهجرة.

 

جملها – وإنما جعلت من ضياعه وسيلة تتحيل بها للبكاء على قتيل لها فقدته في معركة بدر، أنشد قصيدته التي مطلعها:

أتبكي أن يضل لها بعير … ويمنعها من النوم السهود

فما تبكي على بكر ولكن … على بدر تقاصرت الجدود

 

فداء أسرى بدر

وهكذا عاشت مكة فترة من الزمن في ذهول وحزن، وبعد أن هدأت عاصفة الحزن في النفوس أخذ مشركو مكة يفكرون في مصير سبعين أسيرًا من أبنائهم لا يزالون في معسكر المدينة.

وبينما هم كذلك إذا بنص القرار الذي اتخذه مجلس المدينة الأعلى بشأْن الأَسرى يصل إليهم، وكان هذا القرار يقضي بتخييرهم بين الأسر أو دفع الفداء عنهم، ومقداره أربعة آلاف درهم عن كل أسير.

وهنا شرعت مكة في الاتصال بالمدينة وأخذ مندوبوها يتوافدون إلى المدينة لإطلاق سراح الأسرى ودفع الفداء عنهم.

 

كيف فدى العباس بن عبد المطلب نفسه

وكان العباس بن عبد المطلب (عم النبي) أحد الأسرى، وهو من أغنياء قريش، فدى نفسه ودفع الفداء عن ابني أخيه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، كما دفع الفداء عن حليفه عتبة بن عمرو بن جحدم (1) أبره بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقال، لا مال لي.

فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أين المال الذي وضعته عند أم الفضل، وقلت لها إن أُصبت فللفضل كذا، ولعبيد الله كذا، وقال والذي بعثك بالحق، ما علم به أحد غيرى وغيرها، وإني لأعلم إنك رسول الله. وفدى نفسه وابنى أخويه وحليفه (2).

وكان المسلمون، أثناء معركة بدر، قد استولوا على أربعين أوقية من الذهب أخذوها من العباس بن عبد المطلب عند أسره، وعندما جاء وقت إطلاق الأسرى بالفداء، طلب العباس من الرسول – صلى الله عليه وسلم -، أن يحسب كمية الذهب التي صودرت منه يوم بدر من الفداء، فرفض الرسول – صلى الله عليه وسلم – طلبه، وقال لا. ذلك شيء أعطاناه الله عزَّ وجلَّ (أي أنه أصبح غنيمة للمقاتلين المسلمين بعد استيلائهم عليه) (3).

 

زينب بنت الرسول وزوجها الأسير في بدر

وكان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس، زوج زينب بنت الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وكانت أُمه هالة بنت خويلد أُخت أُم

__________

(1) كان مقدار الفداء الذي دفعه العباس عن نفسه وعن ابنى أخويه وحليفه مائة أوقية من الذهب، وهذا يعني أن مقدار الفداء الذي تقرر دفعه عن كل أسير هو خمس وعشرون أوقية من الذهب.

(2) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 92.

(3) وذكر ابن كثير أن المسلمين أبلغوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – رغبتهم في إعفاء العباس من الفداء وإطلاقه مجانًا، لقربه من رسول الله، فرفض – صلى الله عليه وسلم – ذلك وكلف العباس بأن يدفع الفداء كغيره من الأسرى.

 

المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، فسألت الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يزوج أبا العاص ابنته زينب ففعل.

وكان ذلك قبل أن يوحى إليه – صلى الله عليه وسلم – حيث كانت زينب وأبو العاص على شركهما، فلما نزل الوحى آمنت زينب بأبيها، وبقى أبو العاص على شركه، ولم يستطع الرسول التفريق بينهما، لأنه كان مغلوبًا بمكة قبل الهجرة.

ولما وقع أبو العاص بن الربيع في الأسر بعثت زوجه زينب (وهي بمكة) في فدائه بقلادة لها كانت خديجة – رضي الله عنها – جهزتها بها يوم زفافها، فلما رآها الرسول – صلى الله عليه وسلم – رق لها رقة شديدة فقال للمسلمين إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا، فأطلقوا سراح زوجها وردّوا إليها قلادتها، وأَخذ الرسول على أبي العاص أن يبعث بزينب إلى المدينة ففعل، وفرق الرسول بينهما، وعندما أسلم أبو العاص فيما بعد رد عليه الرسول زينب بعقد جديد.

 

انزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبًا

وكان من بين الأسرى سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري (1) وكان شجاعًا وهو أحد أشراف مكة، وخطيب قريش المشهور، وكان لخطاباته الشهيرة تأْثير كبير في محاربة دعوة الإِسلام.

لذلك لما جاءَ وقت دفع الفداءِ عنه وتقرر إطلاق سراحه، طلب عمر

__________

(1) سهيل هذا هو الذي (بالنيابة عن قريش) عقد صلح الحديبية مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وكان من سادات مكة، أسره يوم بدر مالك بن الدخشم. أسلم سهيل عام الفتح وحسن إسلامه، وكان كثير الصوم والصلاة والصدقة، قتل شهيدًا في معركة اليرموك – رضي الله عنه -.

 

ابن الخطاب من الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يحدث له عاهة لا يتمكن بعدها من أن يقوم خطيبًا ضد النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث قال يا رسول الله، انزع ثنيتي (سهيل يدلع لها لسانه) فلا يقوم عليك خطيبًا في موضع أبدًا. فرفض الرسول – صلى الله عليه وسلم – طلب ابن الخطاب – رضي الله عنه – وقال:

لا أَمثل فيمثل الله بي وإن كنت نبيًّا، ثم قال النبي لعمر (دعه فعسى أن يقوم مقامًا تحمده) ولقد صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – فيما أشار إليه من موقف سهيل المحمود، وهذا من أعلام النبوة.

فعند موت النبي – صلى الله عليه وسلم – هم بعض أهل مكة بالارتداد عن الإسلام وبدأت الفتنة تظهر قرونها على أيدى المتربصين من ضعاف الإيمان ولما بلغ سهيلا ذلك – وكان سيدًا مطاعًا وشجاعًا مهابًا – وقف خطيبًا وقال (في حزم وصرامة): يا أهل مكة، لا تكونوا آخر الناس إسلامًا وأولهم ارتدادًا، والله من رابنا أمره شيء ضربنا عنقه كائنا من كان. . أو كما قال: فكان لموقفه البطولى هذا أكبر الأثر في قتل الفتنة في مهدها.

 

إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم

وكان سهيل بن عمرو هذا من أرجح الناس وأصدقهم لهجة.

حضر الناس (مرة) باب عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش فخرج آذنه يأْذن لأَهل بدر. . لصهيب الرومى وبلال الحبشى، وأهل بدر، وكان (عمر) يحبهم، وكان قد أوصى بهم.

فقال أبو سفيان، ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاءِ العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل بن عمرو:

 

أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأْتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون فيه، ثم قال: أيها القوم إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله عزَّ وجلَّ أن يرزقكم الشهادة، ثم نفض ثوبه ولحق بالشام، وخرج بجماعة أهله – إلا ابنته هند – إلى الشام مجاهدًا حتى ماتوا كلهم هنالك (1).

 

أثر معركة بدر على سكان الجزيرة

وهكذا انتهت معركة بدر بهذا الانتصار الحاسم للمسلمين، الذي تدهورت له سمعة قريش العسكرية والسياسية في بلاد العرب.

لقد دهش العرب قاطبة للنصر الحاسم غير المتوقع الذي ناله المسلمون في هذه المعركة.

وكان اليهود والمنافقون أشد الناس استياءً لهذا النصر المبين.

وبالرغم من تباين الوقع الذي تلقت به أَحزاب الكفر نبأَ انتصار المسلمين في هذه المعركة، فقد كان الاستياءُ عامًّا بينهم، والإجماع منعقدًا منهم على الوقوف في وجه المسلمين.

فقد صمم الجميع على أن لا يمكنوا المسلمين مرة أُخرى من تحقيق أي نصر يزيد من قوتهم ويقوى من شوكتهم.

إلا أن هؤلاء الأعداء قد تباينوا في سلوكهم إزاءِ المسلمين بعد هذا

__________

(1) الاستيعاب في أسماء الأصحاب المطبوع مع الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 110.

 

النصر، إذ ذهب كل فريق يعمل في سبيل الإيقاع بالمسلمين وتفريق جمعهم وخضد شوكتهم بالطريقة التي يراها كفيلة ببلوغ غايته.

 

مكة بعد الهزيمة في بدر

ففي مكة انطوى أَهلها على أنفسهم يندبون قتلاهم ويداوون جراح قلوبهم، بعد أن مرغت الهزيمة كبرياءهم وجدعت أنف غرورهم، ولكنهم مع هذا لم يستكينوا، فبعد أن أفاقوا من هول الصدمة أخذوا يواصلون الاجتماعات، ويعقدون المؤتمرات للنظر في الطريقة التي يغسلون بها عار الهزيمة التي أنزلها المسلمون بهم، والتي لم تزدهم إلا حقدًا على محمد – صلى الله عليه وسلم – وبغضًا للإسلام.

فأَعلنوا التعبئة العامة التي كانت نتيجتها معركة أَحد الرهيبة، كما أَن الهزيمة قد ضاعفت من نقمتهم على المسلمين الذين يعيشون بينهم في مكة، فأَخذوا يشددون على من يدخل الإِسلام من أهل مكة ويضاعفون من اضطهادهم والتنكيل بهم.

فعاش في مكة – آن ذاك – كل مسلم إما مستخفيًا بإسلامه، وإما ذليلًا مستضعفًا، عرضة للتنكيل والإهانة، لأَن الدولة هناك كانت للمشركين.

 

الموقف في المدينة بعد معركة بدر

أَما في المدينة فقد كان الأمر على العكس تمامًا – من حيث السيطرة فقد أَصبحت سلطة المسلمين – بعد معركة بدر – هي النافذة، مما

 

اضطر كثيرًا من غير المسلمين إلى التظاهر بالإسلام مع الانطواءِ على بغض الإسلام وإضمار الكيد للمسلمين.

وفي مقدمة هؤلاء رأْس النفاق عبد الله بن أُبى بن سلول (1) الذي نصح أَصحابه – بعد معركة بدر – بأَن يعلنوا إسلامهم حين قال مشيرًا إلى اشتداد شوكة المسلمين – بعد معركة بدر – هذا أَمر قد توجه (أي استمر) فلا مطمع في إزالته، ثم أعلن إسلامه، وتبعه على ذلك جميع أحزاب النفاق فتظاهروا بالإسلام.

ولكنهم مع هذا ظلوا في الباطن يتربصون بالإسلام الدوائر، وقد لجأَ هؤلاء المنافقون (في محاربة النبي وصحبه) إلى سلوك سبل الدس والمخاتلة، فظلوا يرسمون الخطط سرًّا للإيقاع بالنبي – صلى الله عليه وسلم -، وينتهزون الفرص لتفكيك وحدة أَصحابه وإضعاف قوتهم، كما هو مفصل في قصص المنافقين التي قصها القرآن وروتها أُمهات التاريخ.

 

اليهود بعد معركة بدر

على أنه إذا كانت هذه الفئة في المدينة وضواحيها من عبدة الأَوثان وقلة من اليهود، قد تظاهرت بالإسلام، وكفَّت عن معالنة النبي بالعداءِ

__________

(1) هو عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى، أبو الحباب، المشهور بابن سلول -بفتح السين وضم اللام- وسلول جدته لأبيه، رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر، تقية، ولما تهيأ النبي – رضي الله عنه – لوقعة أحد انخزل ابن أبي وكان معه ثلاثمائة رجل فعاد بهم إلى المدينة، وفعہل ذلك يوم التهھيؤ لغزوة تبوك، وكان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، وله في ذلك أخبار، مات بالمدينة سنة تسع من الهجرة، وصلى عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وكان ابن الخطاب لا يرى ذلك، فنزلت {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 84]: الآية.

 

فإن فئة أُخرى وكلها من اليهود ظلوا على دينهم أحرارًا، لم يكرههم الرسول على الدخول في الإسلام، كما هي شرعة الإسلام {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

 

المعاهدة بين النبي واليهود

كان النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما وصل إلى المدينة مهاجرًا، وجد بها يهودًا قد اتخذوا منها وطنًا، فعقد معهم كما قلنا معاهدة، كان من أَهم بنودها أن يمتنع كل من الفريقين عن إيصال أَي أَذى للفريق الآخر وأن لا يعين أحد منهما عدوا على الفريق الآخر.

لم يحدّث المسلمون أنفسهم بنقض عهود اليهود ولا فكروا في طردهم من أرض الجزيرة (بالرغم من أن المسلمين أصبحوا سادة الموقف بعد المعركة) بل على العكس توقع المسلمون منهم أن يكونوا عونًا لهم في حرب الوثنية المخرّفة ودعم عقيدة التوحيد، ورجا المسلمون أن يصدق اليهود محمدًا فيما يثبته الله من تنزيه ومجد، وأن تكون صلتهم بالكتب القديمة والفتهم لأَحاديث المرسلين سببًا في إقناع العرب الأُميين بأَن الرسالات حق والإيمان بها واجب، وهذه المشاعر الحسنة تتمشى مع القرآن النازل يومئذ يؤسسها ويؤكدها قول القرآن {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا، قُلْ. . كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (1).

__________

(1) الرعد آية 43: عن كتاب فقه السيرة ص 184.

 

مخالفة اليهود لنصوص المعاهدة

ولكن هذه الفئة من اليهود وعلى رأسها المرابي الكبير , كعب بن الأَشرف النبهانى (1) قد خالفت نصوص هذه المعاهدة وأعلنت سخطها على النبي – صلى الله عليه وسلم -، وجاهرت بعدائها له وأَظهرت تأَلمها للهزيمة التي حاقت بالمشركين في بدر.

وأخذ هؤلاء اليهود يحرضون المشركين (وخاصة أهل مكة) على الفتك بالنبي والقضاء على دعوته، ويقدمون لهم كل مساعدة ممكنة، ويدلونهم عل عورات المسلمين، ناكثين بذلك كل العهود والمواثيق التي أعطوها لمحمد – صلى الله عليه وسلم – على أَنفسهم.

وهكذا أَفقد النصر الذي أَحرزه المسلمون اليهود صوابهم، فاشتد حقدهم على الإسلام، مما ضاعف نشاطهم ضده وضہد حامل دعوته، واكتشف المسلمون عدة مؤامرات دبرها اليهود بغية القضاء عليهم وعلي نبيهم.

وظل المسلمون (بالرغم من هذا) ضابطين لأعصابهم حتى تفاقم الأَمر، واتسعت شقة الخلاف بين الفريقين، ولم تنته الحرب الباردة بين الفريقين إلا بتلك الأَحداث الدامية الخطيرة التي جاءت نتيجة للحماقات المتكررة التي كان اليهود يرتكبونها ضد الإِسلام والمسلمين، والتي كانت ثمارها إبادة فريق منهم ونفي الفريق الآخر من المدينة

__________

(1) هو كعب بن الأشرف الطائي من بني نيهان كانت أمه من بني النضير. شاعر جاهلي: دان باليهودية، وكان سيدًا في أخواله، يقيم في حصن له قريب من المدينة، ما زالت بقاياه إلى اليوم، قتل سنة ثلاث من الهجرة خارج حصنه.

 

وتطهيرها من شرور دسائسهم ومؤامراتهم، كما حدث لبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير , كما سنفصل ذلك في أَول حديثنا عن معركة أُحد وغزوة الأَحزاب إن شاء الله.

 

موقف الأعراب بعد المعركة

أما الأعراب – وخاصة الضاربين حول المدينة – فقد كان وقع انتصار المسلمين شديدًا على نفوسهم.

فقد اضطربوا لهذا الانتصار وأَصابهم الذعر، وخافوا أَن تقوم للإسلام دولة في المدينة تحول بينهم وبين ما أَلفوه (حسب شريعة الغاب) من السلب والنهب الذي هو مصدر رزقهم وعليه يقوم كيانهم.

وهذا هو المصدر الرئيسى لقلقهم من انتصار المسلمين، أَما مسأَلة الكفر أَو الإِيمان فإنها ليست ذات أَهمية بالنسبة لهؤلاء الأَعراب، إذا قيست بمسأَلة حرصهم وإصرارهم على إخضاع المنطقة لرماحهم ينهبون ويسلبون في ظلها، كما هي شرعة الجاهلية في جميع مناطق الأَعراب. فباعث قلق الأَعراب من انتصار المسلمين في هذه المعركة وانتشار نفوذهم لم يكن باعثًا سياسيًا أو عقائديًا، وهذا عكس ما عليه أَهل مكة الذين يعتبرون أَنفسهم حراس الوثنية وسدنة الكعبة، والزعماء الروحيين لجميع المشركين في الجزيرة بحكم وجودهم في منطقة الحرم التي يعظمها ويحج إليها جميع الوثنيين على اختلافهم في تعدد الآلهة التي يعبدون من دُون الله.

كما أَن قريشا كانت تعتبر من الناحية السياسية والمدنية والعسكرية

 

في الدرجة الأُولى بالنسبة لجميع سكان الجزيرة، ما أَعطاها مركزًا ممتازًا بين جميع قبائل العرب في كل هذه الميادين.

ولهذا كان حقد قريش على محمد وبغضهم للإسلام قائمًا على بواعث عقائدية وسياسية في الدرجة الأُولي , ومن هنا صاروا أَشد سكان الجزيرة حرصًا على القضاء على محمد وقتل دعوته.

 

إحاطة الأخطار بالمسلمين بعد بدر

وهكذا وجد النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحبه أَنفسهم, بعد انتصارهم في بدر وسط دائرة من الأَخطار تحيط بهم من كل جانب.

فهم وإن كان انتصارهم في بدر قد عزز مركزهم في المدينة أَكثر من أَى وقت مضى، حيث أَصبحت وما حواليها خاضعة لنفوذهم، إلا أَنهم أَصبحوا أَكثر من ذي قبل عرضة لشتى الدسائس والمؤامرات والاستفزازات والتحرشات العلنية من الوثنيين واليهود، الذين أَدركوا بعد معركة بدر – أَنهم أَمام قوة خطيرة تهدد نفوذهم وسلطانهم.

 

مؤامرة لاغتيال النبي بعد بدر

وبينما كان النبي وصحبه يتعرضون في المدينة وما حولها لشتي التحرشات والدسائس والاستفزازات كانت مكة ضدهم تغلى كالمرجل، تهدد وتتوعد حيث أَعلنت التعبئة العامة لغسل عار الهزيمة (بغزو محمد – صلى الله عليه وسلم – في عقر داره).

بل لقد بلغ الغيظ والحقد إلى أَبعد من هذا، فقد قررت مكة

 

اختصار الطريق للتخلص من النبي – صلى الله عليه وسلم – فدبرت مؤامرة لاغتياله في المدينة.

وهذه أَول مؤامرة تدبرها مكة لاغتيال النبي بعد معركة بدر.

 

بطل المؤامرة

وقد اختارت مكة لتنفيذ هذه المؤامرة الخطيرة شيطانًا من شياطين قريش، وفارسًا من فرسانها المشهورين بعدائهم الشديد وبغضهم العارم للنبي ودينه … وهو عمير بن وهب الجمحي، الذي زاده كرها للنبي وحقدًا عليه أَن أَسر المسلمون ابنه وهبًا يوم بدر.

فقد اتفق مع بعض زعماء مكة (وفي مقدمتهم صفوان بن أُمية الذي قتل أَبوه وأَخوه يوم بدر) على أَن يقوم باغتيال النبي في المدينة.

وقد كان من السهل تنفيذ هذه المؤامرة، لولا عناية الله.

ذلك أَن الوقت الذي حدّد فيه تنفيذ المؤامرة، كان وقتًا ليس من المستنكر فيه وجود أَي مشرك مكي في المدينة، فقد كان المنتدبون من مكة لدفع فداء الأَسرى، وإطلاق سراحهم موجودين بكثرة في المدينة.

لهذا كانت خطة المؤامرة تقضى بأَن يذهب عمير بن وهب إلى المدينة بحجة دفع الفداء عن ابنه (1) والعودة به إلى مكة.

وهناك يقوم باغتيال النبي – صلى الله عليه وسلم – بطريقة انتحارية حيث تعهد لصفوان بن أُمية بقتل النبي أَينما وجده وبين أَي قوم لقيه , وفي مقابل

__________

(1) ابنه هذا اسمه وهب، أسلم فيما بعد، اشترك في فتح مصر تحت قيادة عمرو بن العاص , وتولى قيادة حملة بحرية للمساهمة في فتح عمورية، وذلك سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، مات بالشام مجاهدًا.

 

ذلك تعهد له صفوان بن أُمية بتسديد ما عليه من ديون، ثم إعالة عياله طيلة حياتهم إن هو قتل.

 

فشل مؤامرة اغتيال الرسول بعد بدر

وفعلا وصل بطل المؤامرة إلى المدينة متظاهرًا بأَنه جاء لدفع الفداء عن ابنه وهب وإطلاق سراحة.

وكان أَول من ارتاب في أمره وقرأ (بفراسته) نوايا الشر في وجهه، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان ابن الخطاب واقفًا مع نفر من المسلمين، قريبًا من المسجد، يتحدثون عن يوم بدر وما كتب الله لهم فيه من نصر حاسم.

وبينما هم كذلك، إذ حانت التفاتة من ابن الخطاب، رأَى فيها عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد النبوي متوشحًا سيفه، فارتاب في أَمره وقال لرفقائه: هذا عدو الله عمير بن وهب، ما جاءَ إلا الشر، وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر (1).

وفور رؤية ابن الخطاب لعمير بن وهب دخل على النبي، وهو في المسجد وقال:

يا رسول الله , هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاءَ متوشحًا سيفه فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -، ادخلوه علي.

__________

(1) وفعلا كان عمير هذا قائد سلاح الاستكشاف في جيش مكة أيام بدر، فهو الذي قدر للمشركين جيش مكة بثلاثمائة مقاتل، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، وذلك عندما جال بفرسه حول جيش المدينة بالقرب من المكان الذي حدثت فيه المعركة.

 

احذروا عليه من هذا الخبيث

فخرج ابن الخطاب من المسجد ليدخل عمير بن وهب على النبي (كما أَمر) وقبل أَن يدخله طلب من الصحابة الموجودين عند باب المسجد أَن يسارعوا بالدخول إلى المسجد ليتولوا حراسة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويراقبوا حركات عمير بن وهب عند دخوله على الرسول قائلا:

أَدخلوه على رسول الله فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون.

ثم قاد ابن الخطاب عمير هذا بحمائل سيفه بعد أَن لببه بها في عنقه حتى أَوقفه على النبي – صلى الله عليه وسلم -، وبمجرد وقوفه على النبي طلب – صلى الله عليه وسلم – من ابن الخطاب أَن يطلقه قائلا: أَرسله يا عمر … ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: أُدن يا عمير.

فدنا .. ثم قال: أَنعم صباحًا يا محمد .. وكانت هذه تحية الجاهلية. فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد أَكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير .. بالسلام تحية أهل الجنة.

 

كيف أسلم بطل المؤامرة

ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم – ما جاءَ بك يا عمير؟

قال: جئت لهذا الأَسير الذي في أَيديكم، فأَحسنوا فيه.

قال: فما بال السيف في عنقك؟ .

قال: قبحها الله من سيوف، وهل أَغنت عنا شيئًا؟

قال: اصدقني، ما الذي جئت له?

 

قال: ما جئت إلا لذاك.

قال: بل قعدت أَنت وصفوان بن أُمية في الحجر فذكرتما أَصحاب القليب من قريش , ثم قلت، لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أَقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أُمية بدينك وعيالك، على أَن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.

فقال عمير: أَشهد أَنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأْتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أَمر لم يحضره إلا أَنا وصفوان.

والله إني لأَعلم ما أَتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإِسلام، وساقني هذا المساق.

فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقهوا أَخاكم في دينه وعلِّموه القرآن، وأَطلقوا أَسيره ففعلوا (1) وهكذا فشلت المؤامرة الخبيثة، وبدلا من أَن يعود بطلها إلى مكة مبشرًا رءوس الكفر بقتل النبي – صلى الله عليه وسلم – عاد إليهم مسلمًا، يتحدى مكة كلها بإسلامه، فقد جاهر أَهل مكة بأَنه قد أَسلم، وكان شجاعًا مهيبًا، ولذلك لم يجرؤ أحد من أَشراف مكة على التعرض له عندما قام يدعو إلى الإِسلام علنا في مكة , حيث كان من المحظور التظاهر بالإسلام فضلًا عن الدعوة إليه، وخاصة بعد معركة بدر.

قال ابن كثير في تاريخه: إن عمير هذا بعد أن هداه الله للإِسلام استأْذن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في العودة إلى مكة ليكون داعية إلى الإِسلام قائلا:

“يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إِطفاءِ نور الله شديد الأَذى لمن كان على دين الله، وأَنا أَحب أَن تأْذن لي فأَقدم مكة فأَدعوهم إلى الله

__________

(1) البداية والنهاية ج 3 ص 314.

 

وإلى رسوله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أُوذى أَصحابك في دينهم”.

فأَذن له الرسول – صلى الله عليه وسلم – فلحق بمكة، (وكان صفوان يتوقع وصوله بين آونة وأُخرى) فكأن يسأَل عنه الركبان، حتى قدم راكب (قبل عمير) فأَخبر صفوان عن إسلامه، فغضب غضبًا شديدًا وحلف أَن لا يكلمه أَبدًا ولا ينفعه نفعًا أَبدًا.

قال ابن إسحاق، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإِسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأَسلم على يديه ناس كثير.

 

نظرة وتحليل

وهكذا انتهت معركة بدر، هذه النهاية التي غيرت موازين القوى الروحية والسياسية والعسكرية والاجتماعية في الجزيرة العربية، وقفزت بسمعة المسلمين العسكرية إلى الذروة وجعلتهم سادة الموقف، وخاصة في منطقة يثرب.

كما تدهورت لها (من ناحية أخرى) سمعة قريش العسكرية والسياسية في أنحاء الجزيرة.

 

بدر معركة عفوية

ومما لا جدال فيه أَن معركة بدر هي معركة عفوية غير مقصودة (أصلا) من جانب المسلمين، وإنما أُجبروا على خوضها دونما سابق استعداد أَو قصد مبيت.

فهم عندما خرجوا من المدينة , إنما كان قصدهم العير , وهي قافلة

 

للعدو آتية من الشام إلى مكة، لم يزد حرسها على أَربعين مقاتلا.

وهو أَمر لا يستحق من الاستعداد أَكثر مما استعد به جيش المدينة عندما غادرها للاستيلاءِ على القافلة.

ولقد كان المسلمون -وخاصة المهاجرين الذين هاجروا وكل واحد منهم صفر اليدين بعد أَن صادر مشركومكة كل أَموالهم- كانوا حريصين كل الحرص على الاستيلاء على هذه القافلة الضخمة التي تتأَلف من أَلف بعير محملة بمختلف السلع والأَرزاق.

وكان الصحابة يومها في ضيق من العيش، يدل على هذا أَن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما فاتته العير وانتهى إلى بدر قال:

اللهم إنهم جياع فأَشبعهم، اللهم إنهم حفاة فأَحملهم، اللهم إنهم عراة فأَكسهم (1).

فقد كانوا يريدون العير، ولكن الله أَراد غير الذي أَرادوا، حيث وجدوا أَنفسهم (بدلا من العير وما تحمله من أَرزاق وأَموال يحلمون بالاستيلاء عليها) أَمام جيش لجب عرمرم، لا يحمل تجارة ولا أَرزاقا، وإنما يحمل أَلف سيف يجرها أَلف مقاتل من صفوة شباب مكة وأَمهر قادتها بحثًا عن الموت، فأُجبروا على خوض معركة يفوقهم فيها العدو عددًا وعدة أضعافًا مضاعفة.

 

غير ذات الشوكة

وهذا هو الذي عناه الله تعالى بقوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (2).

__________

(1) فقه السيرة ص 180.

(2) الأنفال آية 7.

 

لقد أَراد المسلمون أَن تكون لهم العير التي لا شوكة لها.

ولكن الله أراد أَن تكون ملحمة لا غنيمة، وأَن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويباطل الباطل ويزهقه، وأَراد أَن يقطع دابر الكافرين، فيُقتل منهم فريق ويؤسر منهم فريق، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتدول دولتهم، تخفق راية الإِسلام عالية جهارًا نهارًا، عن استحقاق لا مصادفة، وبالجهد والجهاد، لا بالمال ولا بالأَنفال.

نعم أراد الله للفئة المؤمنة أَن تصبح أُمة وأَن تصبح دولة، وأَن يصبح لها سلطان وقوة، وأَراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أَعدائها، فترجح قوتها على قوة أَعدائها. وأَن تعلم أَن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد، إِنما هو بمقدار اتصال القلوب بالقوة الكبرى، التي لا تقف لها في الأَرض قوة، وأَن يكون هذا عن تجربة واقعية، لا كلامًا ولا اعتقادًا.

لتتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن أَنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أَن تغلب خصومها وأَعداءَها مهما تكن هي من القلة فيكن عدوها من الكثرة. ومهما تكن هي من ضعف القوة المادية فيكن عدوها من الاستعداد والعتاد، وما كان هذا المعنى ليستقر في القلوب كما استقر بالمعركة الفاصلة بين قوة الإِيمان، وقوة الطغيان.

وينظر الناظر اليوم وبعد اليوم ليرى الآماد المتطاولة بين ما أَراده المسلمون لأَنفسهم يومذاك , وما أَراد لهم الله , بين ما حسبه المسلمون خيرًا، وما قدره الله من الخير.

 

ينظر فيرى هذه الآماد المتطاولة، ويعلم كيف يخطئ الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أَن يختاروا لأنفسهم الخير، ما لم يوفقهم الله إليه، وحين يتضررون مما يريده الله لهم، وقد يكمن وراءَه الخير الذي لا يخطر لهم ببال ولا بخيال.

فأين ما أرادوه لأنفسهم مما أراده الله لهم؟ ؟ لقد كانت تمضى – لو كانت لهم غير ذات الشوكة – قصة غنيمة .. قصة قوم أغاروا على قافلة تجارة فغنموها (فحسب).

فأَما معركة بدر فقد مضت في التاريخ كله، قصة نصر حاسم، قصة فرقان بين الحق والباطل، قصة انتصار الحق على أعدائه، المدججين بالسلاح، المزودين بكل زاد، وهو في قلة العدد، وضعف في الزاد والراحلة، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي، بل قصة انتصار حفنة من القلوب من حولها الكارهون للقتال، ولكنها بيقينها انتصرت على نفسها، وانتصرت على من حولها وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحانًا ظاهرًا في جانب الباطل، فقلبت بيقينها الميزان، فإذا الحق راجح غالب.

إلا أن غزوة بدر بملابساتها هذه، لتمضي مثلًا في التاريخ، ألا وإنها لتقرر دستور النصر والهزيمة، وتكشف عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة، الأسباب الحقيقية، لا الأسباب الظاهرة المادية، ألا وإنها لكتاب مفتوح تقرؤه الأَجيال في كل زمان وفي كل مكان، لا تتبدل دلالتها ولا تتغير طبيعتها، فهي آية من آيات الله، وسنة من سننه الماضية في خلقه، ما دامت السماوات والأرض (1).

__________

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب ج 6 ص 83.

 

أسباب النصر الظاهرية

لا جدال في أن القوتين المتصادمتين في معركة بدر، قد كانتا غير متكافئتين من ناحية العدد والاستعداد والعُدد.

فقد كان عدد جيش مكة حوالي ألف مقاتل خرجوا من مكة وهم مستعدون لحرب، بينما كان عدد جيش المدينة ثلاثمائة مقاتل يزيدون قليلا، غادروا المدينة وهم على غير استعداد للحرب، إذ لم يدر بخلَدَ أحد منهم أنه سيخوض مثل هذه المعركة الرهيبة.

فما هي (إذن) أسباب النصر الرئيسية في هذه المعركة، وقد انعدمت – في جانب المسلمين – كل الأسباب المادية التي بها عادة يتم النصر في المعارك؟ .

 

مجمل الأسباب

يمكننا – على ضوء الاطلاع على مراحل المعركة منذ البداية – أن نلخص أسباب هذا النصر – بعد التأييد الإلهى فيما يلي:

1 – عدم التحمس في جيش مكة .. فبالرغم من أن هذا الجيش اللجب (1) قد خرج من مكة وهو يتدفق حماسًا للقتال دفاعًا عن العير، وحفاظًا على سمعة قريش التي سيصيبها الانهيار لو أن محمدًا تمكن من الاستيلاء على تلك القافلة القرشية الضخمة، فإن هذا الجيش قد فتر حماسه للقتال عندما بلغته أَنباءُ نجاة العير من قبضة جيش النبي – صلى الله عليه وسلم -.

لا سيما بعد أن جاهر كثير من قادة هذا الجيش في رابغ وفي بدر

__________

(1) اللجب -بفتح الجيم- صهيل الخيل وكثرة أصوات الأبطال، وجيش لجب، أي ذو كثرة وجلبة.

 

نفسها بضرورة عودته دونما اصطدام بجيش المدينة، حيث يعد أي مبرر لهذا الاصطدام بعد نجاة العير التي خرجوا لإنقاذها.

وهذا كان رأى الأَخنس بن شريق الثقفي الذي انشق على جيش مكة في رابغ ورجع بجميع حلفائه من أفراد قبيلة بني زهرة، عندما لم يصغ أبو جهل لنصحه، كما كان هذا الرأي أيضًا، رأى عتبة بن ربيعة وغيره من أشراف مكة الذين قاموا بمحاولة صادقة وهم في بدر لكى يتجنب جيش مكة خوض هذه المعركة، ونادوا علنًا داخل معسكر قريش بأنه من غير الصواب خوض معركة تصطدم فيها الأُسرة الواحدة، دونما داع لها ولا مبرر (1)، ولكنهم غلبوا على أمرهم، حيث تغليت الرعونة على الرزانة والتعقل.

وهذا يعني أن جيش مكة أو أكثره قد خاض هذه المعركة على كره منه، أو غير متحمس لخوضها على الأقل، وهذا في علم الحروب وفلسفة المعارك من أهم الأسباب التي تؤدى إلى الهزائم العاجلة.

2 – الاعتداءُ .. لقد كانت الحروب من أكره الأشياء إلى النفوس في كل زمان ومكان، ولذا كانت الكريهة اسما من أسمائها، وكان العقلاءُ (في كل عصر) لا يخوضونها إلا لأسباب موجبة قاهرة، لأنهم يعلمون تمام العلم أن الباغى هو المصروع عادة.

ومعركة بدر هذه، كان البغي والعدوان والخيلاءُ والغطرسة باعثها الأول من جانب قادة قريش وإن شئت قل، من جانب أبي جهل السيد المشئوم المطاع.

__________

(1) كان مما قال عتبة بن ربيعة – ناصحًا قريشًا بالعدول عن قتال محمد وصحبه – يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون شيئًا بأن تلقوا محمدًا وأصحابه، والله لأن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، لأنه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته.

 

فقد خرج جيش مكة وغايته الأساسية الدفاع عن ألف بعير بأحمالها، وإنقاذها من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وهذا وحده (في نظر جيش مكة) مما يسبغ الشرعية على المعركة وينفي عنصر البغي عنها، ويجعل هذا الجيش يخوضها وهو مقتنع بضرورة خوضها. ولكن هذا الجيش لما وصل إلى رابغ وهي تبعد عن مكان المعركة حوالي مائة وخمسة وعشرين ميلا بلغه نبأُ نجاة القافلة، فزال الموجب والمبرر للقتال، ونادى العقلاءُ بعودة الجيش إلى مكة من مكانه في رابغ، كما حاولوا مرة أخرى موادعة محمد – صلى الله عليه وسلم – (وقد تقابلوا معه وجها لوجه) والعودة إلى مكة دونما قتال، ولكن أبا جهل أصر (أمام كلا المحاولتين) على أن تخوض مكة هذه المعركة باغية معتدية، فخاضتها وكانت نتيجة يتوقعها العقلاءُ دائمًا لكل جيش يقاتل بدافع الباغي والعدوان.

3 – العقيدة، وهي أم أسباب النصر .. لقد خاض المسلمون هذه المعركة وهم على صلة وثيقة بالله سبحانه وتعالى.

فقد خاضها كل واحد منهم وهو على يقين بأنه لا شك فائز بإحدى الحسنيين، إما الموت، وهو الشهادة التي بها يدخل الجنة ويعيش فيها عيشة أشرف وأفضل من عيشة الحياة الدنيا من جميع الوجوه (1) وإما

__________

(1) ولقد عبر عن صدق هذه العقيدة السامية الراسخة التي لا يقف في طريق حاملها شيء، عبر عنها أصدق تعبير، عمير بن الحمام الذي كان واقفًا في الصف يوم بدر والذي قذف بتمرات من يده كان يريد أكلهن، قذف بهن وقال (بخ بخ) أفما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلى هؤلاء ثم أخذ سيفه وغاص في جيش المشركين يقاتل حتى قتل رضي الله عنه، وذلك بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الخطاب الذي ألقاه على جيشه قبيل المعركة بقليل، والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم (أي المشركين) اليوم رجل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة.

 

النصر الذي به يعود مرفوع الرأس موفور الكرامة وقد ساهم في نشر العقيدة التي في سبيل نشرها استطاب الموت واستعذب موارده.

وهذا دونما شك من أهم بواعث الروح المعنوية التي يعتبرها العسكريون (في كل زمان ومكان) من أهم العناصر التي يجب أن تتوفر في كل جيش لضمان النصر في أية معركة يخوضها.

فالعقيدة الصادقة هي مصدر الزخم والقوة لكل أُمة دخلت التاريخ من باب المجد واستوت في قمة الزمان على عرش السؤدد المقامة دعائمه على المحبة والعدل والنزاهة، وهذا هو الذي سجله التاريخ العرب (قبل غيرهم) عندما ساروا في حربهم وسلمهم على هدي العقيدة الصحيحة والمبدإ الثابت السليم الذي جاء به الإسلام.

أما المشركون فليسوا كالمسلمين – يدافعون عن عقيدة صحيحة أو يقاتلون في سبيل مبدإ سليم – وإنما يقاتلون بطرًا ورياء وسمعة وسفها (1) فحسب.

وهذا لا يمكن البتة، أن يكون باعثًا لشيء من الروح المعنوية الحقة التي هـہي العنصر الضروري الذي يجب توفره للحصول على النصر في أية معركة حربية.

فالروح المعنوية – التي معدنها الفياض العقيدة الصالحة – إذا انعدمت في جيش فإن أمل قادته في النصر على أعدائهم، الزاحفين

__________

(1) ولا أدل على ذلك من خطاب أبي جهل الذي ألقاه في رابغ – عندما حاول العقلاء العودة بالجيش إلى مكة بعد نجاة العير – والذي قال فيه، والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فتقيم عليها ثلاثًا. فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فامضوا.

 

تحت لواء العقيدة الصحيحة، يكون ضعيفًا هو الذي حدث فعلًا في بدر، ويحدث غالبًا في كثير من المعارك حتى يومنا.

4 – الأُسلوب الجديد في القتال.

لقد دخل المسلمون معركة بدر بأُسلوب جديد يعرفه العرب في تاريخهم، وقد فاجأ النبي أعداءه في بدر بهذا الأسلوب، فكان لهذه المفاجأة أثر كبير في انتصار المسلمين، ويمكن تلخيص هذا الأسلوب المبتكر فيما يلي:

1 – القيادة … قال السيد اللواء الركن محمود شيت خطاب (1) في كتابه (الرسول القائد): كان النھبي – صلى الله عليه وسلم – هـہوالقائد الأعلى للجيش، وكان المسلمون يعملون في المعركة، كَيَدٍ واحدة تحت قيادة واحدة، يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسم، وهذا هو واجب القائد الكفء.

وكان ضبط المسلمين تجاه تنفيذ أوامره مثالًا رائعًا للضبط الحقيق المتين، وإذا كان الضبط أساس الجندية، وإذا كان الجيش الممتاز

__________

(1) الواء الركن محمود شيت خطاب من كبار ضباط الجيش العراقي، ذو نزعة إسلامية قوية، رجل صلب العود يعتبر مثالا حيًّا للثبات على العقيدة، نال من التعذيب والتنكيل من الشيوعيين في عهد قاسم ما لا يمكن البشر أن يتحمله إلا من كان على مستواه في متانة العقيدة وقوة الإيمان، والسبب في تعذيبه أنه مسلم يكفر بالشيوعية وكل مبدأ يخالف الإسلام، ظل صامدًا في وجه الشيوعية والديكتاتورية رافضًا التعاون مع قاسم طيلة حكمه حتى ثورة أربعة عشر رمضان التي كان أحد العاملين فيها، وقد شغل أخيرًا منصب وزير البلديات: يعد كتابه (الرسول القائد) من أروع ما خطته الأقلام المسلمة في تاريخ الرسول العسكري، حيث لم يسبقه أحد إلى الطريقة التي سلكها في وصف المعارك التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أثبت للقارئ (بفلسفة عسكرية شيقة) أن محمدًا -بالإضافة إلى كونه نبيًّا مرسلًا- هو أعظم قائد عسكري عرفته البشرية. أكثر الله من أمثال هذا الضابط المؤمن في رجالنا العسكريين.

 

هو الذي يتحلى بضبط ممتاز، فقد كان جيش المسلمين حينذاك جيشًا ممتازًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني.

إن معنى الضبط – فيما أرى – هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر.

وقد كان المسلمون ينفذون أوامر قائدهم بحرص شديد وأمانة رائعة وبشوق وطيبة خاطر، ومن حقهم أن يفعلوا ذلك لأن قائدهم يتجلى بصفات القائد المثالى.

ضبط للأعصاب في الشدائد، وشجاعة نادرة في المواقف ومساواة لنفسه مع أصحابه واستشارتهم في كل عمل حاسم.

كما أن النبي قد أنشأ له قيادة جعل مقرها رابية تشرف على ساحة المعركة وجعل لهذا المقر حرسًا بقيادة قائد مسئول (هو سعد بن معاذ).

أما المشركون فلم تكن لهم قيادة عامة، حيث كان أكثر قادة مكة مع جيش المشركين ولكن الذي يظهر أن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة هما أبرز ما في القادة، وكان يمكن أن يكون أحدهما قائدًا عامًا لجيش مكة , لولا الاختلاف بينهما في وجهات النظر والعداوة العنصرية التي كانت بينهما، ولهذا قاتل جيش مكة قتالا فوضويًا دونما قيادة موجهة أو تنظيم سابق.

2 – تعبئة جديدة .. قال صاحب كتاب (الرسول القائد) (1).

طبق الرسول في مسير الاقتراب من المدينة إلى بدر، تشكيلًا جديدًا لا يختلف بتاتًا عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء.

كانت له مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريات

__________

(1) ص 77.

 

الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الصحيحة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء.

أما في المعركة فقد قاتل المسلمون بأُسلوب (الصفوف) بينما قاتل المشركون بأُسلوب الكر والفر، ولابد لنا من بيان الفرق بين الأُسلوبين، لمعرفة عامل من أهم عوامل انتصار المسلمين.

القتال بأُسلوب الكر والفر، هو أن يهجم المقاتلون بكل قوتهم على العدو، النشابة منهم (1) والذين يقاتلون بالسيوف ويطعنون بالرماح مشاة وفرسانًا، فإن صعد لهم العدو أو أحسوا بالضعف نكصوا، ثم أعادوا تنظيمهم وكروا، وهكذا يكرون ويفرون حتى يكتب لهم النصر أو الفشل.

والقتال بأُسلوب الصفوف، يكون بترتيب المقاتلين صفين أو ثلاثة أو أكثر، على حسب عددهم، وتكون الصفوف الأمامية من المسلحين بالرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف المتعاقبة الأُخرى من المسلحين بالنبال لتسديدها على المهاجمين من الأعداء.

وتبقى الصفوف في مواضعها بسيطرة قائدها، حتى يفقد زخم المهاجمين (2) بالكر والفر شدته .. عند ذلك تتقدم الصفوف متعاقبة. للزحف على العدو.

يظهر من ذلك أن أسلوب الصفوف يمتاز على أسلوب الكر والفر بأنه يؤمن الترتيب (بالعمق) فتبقى دائمًا بيد القائد قوة احتياطية يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كأن يصد هجومًا مقابلا للعدو أو

__________

(1) النشابة: هم الذين يرمون بالقوس.

(2) الزخم: الدفع الشديد.

 

يضرب كمينا لم يتوقعه أو أن يحمى الأجنحة التي يهددها العدو بفرسانه أو بمشاته ثم يستثمر الفوز بالاحتياط من الصفوف الخلفية عند الحاجة.

إن أُسلوب الصفوف يؤمن السيطرة على القوة بكاملها، ويؤمن احتياطًا للطوارئ ويصلح للدفاع والهجوم في وقت واحد، أما أسلوب الكر والفر (1) (وهو ما سارت عليه قريش في حربها يوم بدر) فيجعل القائد يفقد السيطرة ولا يؤمن له أي احتياط للطوارئ.

ويقول اللواءُ الركن (محمود شيت خطاب) إن تطبيق الرسول لأُسلوب الصفوف في معركة بدر، عامل مهم من عوامل انتصارهم على المشركين، والتاريخ العسكري يخبرنا بأن انتصار القادة العظام – كالإسكندر وهنيبال قديمًا، ونابليون ومولتكهـ ورومل ورنشتد حديثًا، هو أنهم طبقوا أُسلوبًا جديدًا في القتال غير معہروف، أو قاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة. اهـ.

وهكذا صار للخطة التي ابتدعها الرسول في التعبئة وسار عليها في حربه يوم بدر وامتاز بها على المشركين الذين لم يسبق لهم أن ساروا على مثلها في شيء من حروبهم، صار لها أثر كبير في انتصار المسلمين في هذه المعركة.

هذه الأسباب الأربعة (في نظرنا) هي – الناحية العسكرية – أهم الأسباب التي أدت إلى هزيمة المشركين في هذه المعركة، تلك الهزيمة الساحقة التي بها بدأ الانهيار في صرح دولة الشرك .. وحققت للمسلمين ذلك النصر الرائع الذي به دخل المسلمون التاريخ من بابه الخالد.

__________

(1) أسلوب الكر والفر هو الأسلوب المتبع عند الهنود الحمر بأمريكا.

 

 

محمّد أحمد باشميل

من معارك الإسلام الفاصِلة

 

حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: