معني “فاذكروني أذكركم” وابداع المفسرين في تفسيرها

معني “فاذكروني أذكركم” وابداع المفسرين في تفسيرها

فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

لهذه الأية الكريمة مكانة خاصة في قلوب المؤمنين، فهي توضح أهم طرق الوصل مع الله تعالي، وقد استوقفت الأية الكثير من العلماء والمفسرين، وأفاضوا فيها وأبدعوا بالكثير والكثير من التفاسير، ننقل لك عزيزي القاريء، بعضا من درر تفسير تلك الأعجوبة القرانية:

تفسير اللباب في علوم الكتاب.. ابن عادل (ت 880 هـ) 

فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

اعلم أن الله – تعالى – كلفنا في هذه الآي بأمرين: الذكر، والشكر.

أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح.

فذكر اللسان الحمد، والتسبيح، والتمجيد، وقراءة كتابه.

وذكر القلب التفكّر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في الجواب على الشبهة العارضة في تلك الدلائل.

والتفكّر في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده.

فإذا عرفوا كيفية التَّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم.

والتفكر في أسرار مخلوقاته.

وأما الذكر بالجوارح، فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها.

وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا سمى الله الصلاة ذكراً، بقوله تعالى:فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } 

فقوله: ” اذْكُرُوني ” يتضمن الطاعات.

ولهذا روي عن سيعد بن جبير أنه قال: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه.

فصل في معاني الذكر في القرآن

الذكر ورد على ثمانية أوجه:

الأول: بمعنى الطاعة كهذه الآية أي: أطيعوني أغفر لكم.

الثاني: العمل، قال تعالى:خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } [البقرة: 63] أي: اعملوا بما فيه.

الثالث: العِظَة، قال تعالى:وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات: 55] أي العِظَة،

ومثلهفَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } [الأنعام: 44] أي: ما وعظوا به.

الرابع: الشَّرف قال تعالى:وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [الزخرف: 44]

ومثله:بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ }[المؤمنون: 71] أي: بشرفهم.

وقوله:هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي } [الأنبياء: 24] أي: شرف.

الخامس: القرآن قال تعالى:أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا } [ص: 8] أي: القرءَان.

ومثله:وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ } [الأنبياء: 50].

السادس: التوراة قال تعالى:فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ } [النحل: 43] أي: التوراة.

السابع: البيان، قال تعالى:أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ } [الأعراف: 63].

الثامن: الصلاة، قال تعالى:فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } [الجمعة: 9].

قوله: ” أَذْكُرْكُمْ ” هذا خطاب لأهل ” مكة ” والعرب.

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعرفتي.

وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء.

بيانه قوله سبحانه وتعالى:فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ }[الصافات: 143 – 144].

وقيل: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة.

قال تبارك وتعالى:ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] قاله أبو مسلم.

وقيل: اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، وقيل: اذكروني بمَحَامدي أذكركم بهدَايتي.

روى الحسن عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله – تَعَالَى – يقول:

يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ.

وَإنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْراً دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعاً، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعاً دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعاً.

وَإِنْ مَشَيْتَ إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْكَ، وإِنْ هَرْوَلْتَ إِلَيَّ سَعَيْتُ إِلَيْكَ، وإِنْ سَأَلْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْنِي غَضِبْتُ عَلَيْكَ ” 

فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

وقال أبو عثمان النهدي: إني لأعلم الساعة التي يذكرون منها.

قيل: ومن أين تعلمها؟ قال: اتقوا الله عز وجل: { فَاذْكُرُونِي أّذْكُرْكُمْ }.

قوله: { وَٱشْكُرُواْ لِي }.
قال ابن عطية: ” واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد “.

و ” لي ” أفصح وأشهر مع الشّكر، ومعناه: نعمتي وَأَيَادِيَّ، وكذلك إذا قلت شكرتك.

فالمعنى شكرت لك صنيعك وذكرته، فحذف المضاف؛ إذ معنى الشكر ذكر اليد.

وذكر مُسْدِيها معاً، فما حذف من ذلك، فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف.

وأصل الشكر في اللغة: الظهور، فشكر العبد لله – تعالى – ثناؤه عليه بذكر إحسانه.

 وشكر الله سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن شكر العبد نُطق باللسان، وإقْرَار بالقلب بإنعام الرب.

وقوله تعالى: { وَلاَ تَكْفُرُونِ } نهي ولذلك حذفت منه نون الجماعة، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء.

لأنها رأس آية وإثباتها أحسن في غير القرآن، أي: لا تكفروا نعمتي، فالكفر هنا سَتْر النعمة لا التكذيب.

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ

تفسير لطائف الإشارات .. القشيري (ت 465 هـ)

{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور، ثم استهلاكه في وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر.

 فيقال قد كان مرةً فلان.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } أي كونوا مستهلكين في وجودنا، نذكركم بعد فنائكم عنكم.

 قال الله تعالى:{ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [الذاريات: 16] كانوا وقتاً ولكنهم بانوا دائماً

وطريقة أهل العبارة { فَٱذْكُرُونِيۤ } بالموافقات { أَذْكُرْكُمْ } بالكرامات.

وطريقة أهل الإشارة { فَٱذْكُرُونِيۤ } بِتَرْكِ كل حظ { أَذْكُرْكُمْ } بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } مكتفين بي عن عطائي وأفضالي { أَذْكُرْكُمْ } راضياً بكم دون أفعالكم.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بذكري لكم ما تذكرون، ولولا سابِقُ ذكري لما كان لاحِقُ ذكركم.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بقطع العلائق { أَذْكُرْكُمْ } بنعوت الحقائق.

ويقال { وَٱشْكُرُواْ لِي } على عظيم المِنَّةِ عليكم بأن قُلْتُ: { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ }.

ويقال الشكر من قبيل الذكر، وقوله: { وَلاَ تَكْفُرُونِ } النهي عن الكفران أمرٌ بالشكر، والشكر ذكر، فكرر عليك الأمر بالذكر.

 والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنَّ في الخبر: ” من أحب شيئاً أكثر ذكره ”

فهذا – في الحقيقة – أمرٌ بالمحبة أي أحْبِبْني أحبك؛ { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } أي أحبوني أحببكم.

ويقال: { فَٱذْكُرُونِيۤ } بالتذلل { أَذْكُرْكُمْ } بالتفضُّل.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بالانكسار { أَذْكُرْكُمْ } بالمبار.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } باللسان { أَذْكُرْكُمْ } بالجِنان.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بقلوبكم { أَذْكُرْكُمْ } بتحقيق مطلوبكم.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } على الباب من حيث الخدمة { أَذْكُرْكُمْ } بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بتصفية السِّر { أَذْكُرْكُمْ } بتوفية البِّر.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بالجهد والعناء { أَذْكُرْكُمْ } بالجود والعطاء.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بوصف السلامة { أَذْكُرْكُمْ } يومَ القيامة يومَ لا تنفع الندامة.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ } بالرهبة { أَذْكُرْكُمْ } بتحقيق الرغبة.

 تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) 

{ فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } ، قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي.

وقال سعيد بن جبير اذكروني في النعمة والرخاء، أذكركم في الشدة والبلاء.

 بيانه:فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [الصافات:143-144].

أخبرنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال قال: النبي صلى الله عليه وسلم: ” يقول الله تعالىٰ:

«أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي.

وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً.

وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة.

عن أنس قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 

” إن الله تعالىٰ يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي.

وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً.

وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن مشيت إليَّ هرولت إليك.

 وإن هرولت إليَّ سعيت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك “.

وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” يقول الله عز وجل: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه”

عن عبد الله بن بُسْر قال: ” جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟

قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله تعالى

قوله تعالىٰ: { وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

يعني واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية فإن من أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد كفره.

 تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل/ الخازن (ت 725 هـ)

{ فاذكروني } قيل الذكر يكون باللسان، وهو أن يسبحه ويحمده ويمجده ونحو ذلك من الأذكار،

ويكون بالقلب وهو أن يتفكر في عظمة الله تعالى، وفي الدلائل الدالة على وحدانيته،

مثل الصلاة وسائر الطاعات التي للجوارح فيها فعل { أذكركم } أي بالثواب والرضا عنكم

ويكون بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها،

قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي

وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، وقال أهل المعاني: اذكروني بالتوحيد والإيمان: أذكركم بالجنان والرضوان.

وقيل: اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص اذكروني بالقلوب، أذكركم بغفران الذنوب.

اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ

 تفسير الكشف والبيان / الثعلبي (ت 427 هـ) 

{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } قال ابن عبّاس: أذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي بيانه قوله:وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا }[العنكبوت: 69] الآية.

سعيد بن جبير: { فَٱذْكُرُونِيۤ } بطاعتي أذكركم بمغفرتي بيانهوَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [آل عمران: 132].

فضيل بن عيّاض: فاذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي بيانهإِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } [الكهف: 30-31] وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ” من أطاع الله فقد ذكر الله وإنّ قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن “. 

وقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالجنّات والدرجات بيانه:وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ… جَنَّاتٍ } [البقرة: 25].

وقال ابو بكر الصدّيق رضي الله عنه: كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنّة ثواباً.

ابن كيسان: اذكروني بالشكر أذكركم بالزّيادة: بيانه قولهلَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } [إبراهيم: 7].

وقيل: اذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها.

قال الأصفي: رأيت أعرابياً واقفاً يوم عرفة بالموقف وهو يقول: ضجّت إليك الأصوات بضروب اللّغات يسئلونك الحاجات وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسيني أهل الدّنيا.

وقيل: أذكروني بالطّاعات أذكركم بالمعافاة ودليلهمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } [النحل: 97].

وقيل: أُذكروني في الخلاء والملاء أذكركم في الجلاء والملأ بيانه ما روي في بعض الكتب إنّ الله قال: أنا عند من عبدني، فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في الملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقربّ إليّ شبراً تقرّبت له ذراعاً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً، تقرّبت إليه باعاً ومن أتاني مشياً أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض فضّة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يُشرك بي شيئاً.

وقيل: أُذكروني في النّعمة والرّخاء أذكركم في الشّدة والبلاء بيانه قولهفَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [الصافات: 143-144].

قال سلمان الفارسي: إنّ العبد إذا كان له دُعاء في السّر؛ فإذا انزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء فيشفعون له فينجيه الله، فإذا لم يكن له دُعاء قالوا: الآن فلا تشفعون له. بيانه لفظة فرعونآلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } [يونس: 91].

وقيل: أُذكروني بالتسليم والتفويض أذكركم بأصلح الأختبار. بيانهوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }[الطلاق: 3].

وقيل: أُذكروني بالشوق والمحبّة أذكركم بالوصل والقربة.

وقيل: أُذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء، وقيل: أُذكروني بالأوبة أذكركم بغفران الحوبة، وقيل: أُذكروني بالدُّعاء أذكركم بالعطاء، أُذكروني بالسؤال أذكركم بالنوّال، أُذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، أُذكروني بالندّم أذكركم بالكرم، أُذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، أُذكروني بالإرادة أذكركم بالأفادة، أُذكروني بالتنصّل أذكركم بالتفضل أُذكروني الإخلاص أذكركم بالخلاص، أُذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، أُذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، أُذكروني بالأفتقار أذكركم بالاقتدار، أُذكروني بالأعدام والاستغفار أذكركم بالرّحمة والإغتفار، أُذكروني بالأيمان أذكركم بالجنان، أُذكروني بالأسلام أذكركم بالأكرام، أُذكروني بالقلب أذكركم برفع التعجب، أُذكروني ذكراً فانياً أذكركم ذكراً باقياً، أُذكروني بالإبتهال أذكركم بالأفضال، أُذكروني بالظل أذكركم بعفو الزلل، أُذكروني بالأعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، أُذكروني بصفاء السّر أذكركم بخالص البّر، أُذكروني بالصّدق أذكركم بالرّفق، أُذكروني بالصفَو أذكركم بالعفو، أُذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، أُذكروني بالتكبير أذكركم بالتطهير، أُذكروني بالتمجيد أذكركم بالمزيد، أُذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، أُذكروني بترك الجفاء اذكركم بحفظ الوفاء، أُذكروني بترك الخطأ أذكركم بحفظ الوفاء، أُذكروني بالجهد بالخلقة أذكركم بأتمام النعمة، أُذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا ولذكر الله أكبر.

الربيع في هذه الآية: إنّ الله ذاكر من ذكره، وزائداً من شكره، ومعذّبُ من كفره.

وقال السّدي: فيها ليس من عبد يذكر الله إلاّ ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلاّ ذكره بالرّحمة، ولا يذكره كافر إلاّ يذكره بعذاب. وقال سفيان بن عيينة: بلغنا إنّ الله عزّ وجلّ قال: أعطيت عبادي مالوا أعطيته جبرئيل وميكائيل كنت قد اجزلت لهما قلت: أُذكروني أذكركم، وقلت لموسى: قل للظلمة لا يذكروني فإني أذكر من ذكرني، فإنّ ذكري إياهم أن إلعنهم.

وقال أبو عثمان النهدي: إنّي لأعلم حين يذكرني ربّي عزّ وجلّ، قيل: كيف ذلك؟

قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني.

“وَٱشْكُرُواْ لِي ” نعمتي.


تفسير التسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ) 

فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }

{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } قال: سعيد بن المسيب: معناه اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب وقيل اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك،

وقد أكثر المفسرون، لا سيما المتصوّفة في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معاني مخصوصة، ولا دليل على التخصيص،

وبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر وبينها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه عن ربه: ” أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ: ذكرته في ملأ خير منهم “. 

والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وبهما معاً، واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال: كالصلاة وغيرها؛ فإنّ ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى.

والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه الأول: النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال، قال رسول الله صلى عليه وسلم: ” ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله ” وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: ذكر الله، قيل: الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله؟ فقال: لو ضرب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دماً: لكان الذاكر أفضل منه. والوجه الثاني: أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر، أو أثنى على الذكر: اشترط فيه الكثرة، فقال:ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً }[الأحزاب: 41]،وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب: 35]، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال. الوجه الثالث: أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العلية، والوصول إلى القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية، فإن الله تعالى يقول: ” أنا جليس من ذكرني ” ، ويقول: ” أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ” متفق عليه من حديث أبي هريرة. وفي رواية البيهقي: وأنا معه حين يذكرني.

وللناس في المقصد بالذكر مقامان:

فمقصد العامة اكتساب الأجور، ومقصد الخاصة القرب والحضور، وما بين المقامين بَوْن بعيد.

فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب، وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب.

واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة:

فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والحسبلة، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى،

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، وغير ذلك.

ثمار الذكر:

ولكل ذكر خاصيته وثمرته.

وأما التهليل: فثمرته التوحيد: أعني التوحيد الخاص فإنّ التوحيد العام حاصل لكل مؤمن.

وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال، وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفار وشبه ذلك: فقمرتها ثلاث مقامات، وهي الشكر، وقوة الرجاء، والمحبة.

فإنّ المحسن محبوب لا محالة.

وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكل على الله والتفويض إلى الله، والثقة بالله

وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك:

فثمرتها المراقبة. وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: فثمرتها شدّة المحبة فيه، والمحافظة على اتباع سنته.

 وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدّمة.

ثم إنّ ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا:

 الله، الله. فهذا هو الغاية وإليه المنتهى.


تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ



قيل: { فَٱذْكُرُونِيۤ } قيل: بالطاعة في الدنيا، { أَذْكُرْكُمْ } في الآخرة بالتجاوز عن سيئاتكم.

وقيل: اذكروني في الرخاء والسعة، أذكركم في الضيق والشدة.

وقيل: اذكروني في الخلوات، أذكركم في ملأ الناس وأذكركم في ملأ من الملائكة.

ويحتمل: اذكروني بالشكر بما أنعمت عليكم، أذكركم بالزيادة عليها. والله أعلم.

وقوله: { وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } ، أي: وجهوا شكر نعمتي إليّ، ولا تشكروا غيري.

ويحتمل: { وَٱشْكُرُواْ لِي }: أي وجهوا العبادة إليّ، { وَلاَ تَكْفُرُونِ }: ولا تعبدوا غيري. والله أعلم.

{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } قال ابن جرير: أي: اذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم. وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح. وقال القاشاني: اذكروني بالإجابة والطاعة، أذكركم بالمزيد والتوالي، وهي بمعنى ما قبله. وقوله: { وَٱشْكُرُواْ لِي } قال ابن جرير: أي اشكروا لي فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته. وقوله: { وَلاَ تَكْفُرُونِ } أي: لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم.


حسن حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: